قصــــــة الــهزيــــمة . في ضوء بحوث سماحة السيد الاستاذ الصرخي الحسني ..الجزء الثاني والثلاثون

قصــــــة الــهزيــــمة . في ضوء بحوث سماحة السيد الاستاذ الصرخي الحسني ..الجزء الثاني والثلاثون 

بقلم \ خالد الجبوري

كما تحدثنا في المقال السابق عن الفتن التي عصفت بالامة وما زالت تحدث بسبب الانحراف عن الطريق والسبيل الذي اختطه رسول الله صلى الله عليه واله وقد نبأ رسول الله بأكثر تلك الفتن في احاديث كثيرة وهي دلائل وقبسات نورانية على نبوته الخالدة وقد افرد الكثير من المحققين والعلماء والمحدثين لتلك الاحاديث عن الملاحم والفتن والتي فصل فيها النبي ما سيحصل لامته بسبب تركها لرسالته وانحرافها عما اراده لها .. والفتن هي احد الاسباب الرئيسة التي ادت الى تفرق الامة وانحطاطها وبسبب الفتن حلت النزاعات والحروب وتدفقت الاحتلالات على الامة وسوف نتحدث عن الفتن باعتبارها احد الاسباب الرئيسة ..

والفتن :  جمع فتنة ، واصلها  اللغوى يتصل بمعنى الابتلاء والامتحان، (قال الأزهري وغيره : وجماع الفتن: الابتلاء والامتحان والاختبار , واصلها مأخوذ من قولك : فتنت الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار , لتميز ألردي من الجيد)( لسان العرب :ص 3344- مادة فتن).
، ويطلق  لفظ الفتن ايضا على  معنى :الوقوع في المكروه و الكفر و العذاب و الإحراق بالنار و القتل و الصد عن سبيل الله و الضلال( يقول ابنُ الأعرابي ” الفتنة الإختبار، والفتنة: المحنة، والفتنة المال، والفتنة: الأولاد، والفتنة الكفر والشرك، والفتنة إختلاف الناس بالآراء والفتنة الإحراق بالنّار (لسان العرب لابن منظور). وقد ورد لفظ الفتنه فى القران الكريم بذات المعاني السابقه ، فقد ورد بمعنى: الكفر والشرك كما فى قوله تعالى تعالى ( وَالفِتْنَةُ أشَدّ مِنَ القَتْل)، وبمعنى الإبتلاء والإختبار كما في قوله تعالى: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) ، وبمعنى الإضلال كما في قوله تعالى: ( يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) ، وبمعنى الاحراق بالنار كما فى قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) ..

وهناك احاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه واله بخصوص الفتن التي ستصيب امته …منها ( إنه سيصيب أمتي في آخر الزمان بلاء شديد لا ينجو منه إلا رجل عرف دين الله فجاهد عليه بلسانه وبقلبه فذلك الذي سبقت له السوابق ورجل عرف دين الله فصدق به )
وقال ايضا ( ايها الناس أظلتكم الفتن كقطع الليل المظلم أيها الناس لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا وضحكتم قليلا أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق .. وقال ايضا ( تكون فتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا تأتيكم مشبهة كوجوه البقر لا تدرون أنها من أي)
نعيم بن حماد في الفتن ..
وهناك انواع كثيرة من الفتن منها فتنة القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة الاموال والاولاد والفتن الظاهرة والباطنة و فتنة الهرج) القتل) :وقد وردت الاشاره اليها فى كثير من النصوص ،منها قول الرسول  صلى الله عليه واله  وسلم  ( يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشح ويكثر الهرج قالوا: وما الهرج يا رسول الله ؟ قال : القتل )

 واصل الفتن هي اهواء تتبع وآراء مخالفة للشرع واتباع الهوى على العقل ..

واسباب الفتن كثيرة بطبيعة الحال وسوف نحاول ان نعرف اسابها من خلال القران والسنة النبوية الشريفة .. كقوله تعالى (  فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النور63

اذن اول الاسباب هي مخالفة اوامر الله وأوامر رسوله وأول مخالفة قامت بها هذه الامة هي مخالفة وصية رسوله الامين صلى الله عليه واله في الامامة والخلافة من بعده ولما خالفته وقعت في الفتن ..

 وقد تكون هناك اسبابا لاختلاق الفتن وايقاظها واثارتها وهذه الاسباب تختلف بين حين واخر فقد تكون اسبابا داخلية واخرى خارجية وقد تكون على يد رجل واحد وأخرى على يد مجموعة كبيرة كما قال رسول الله صلى الله عليه واله في حديث (دون الساعة اثنان وسبعون دجالا منهم من لا يتبعه إلا رجل واحد )  نعيم بن حماد في الفتن عن الحكم بن نافع ..

وقد تكون افكارا يراد لها ان تشيع بالمجتمع الاسلامي لتشقيقه وإفساده وما اكثرها وعلى راس مثيري تلك الفتن هم ائمة الضلالة ورؤوس الكفر والنفاق  ولا يكاد زمن يخلوا من هؤلاء ولا يكاد متسلط او ظالم او حاكم جور الا وقد شرع له ودعمه امام ضلالة ..

فتنه ائمة الضلال ..

و هم كل متبوع بلا دليل شرعي  سواء كان عالم أو حاكم أو رئيس فرقة وهذا الإتباع بلا دليل يلزم منه الضلال وإطلاق البدع والافتاء بغير علم ونشر الافكار والعقائد الفاسدة والتدليس والكذب  ومجانبة الهدى وقد تواردت النصوص عن النبي صلى الله عليه واله في التحذير من هؤلاء حتى وصفهم  على  أنهم أخوف على الامة من الدجال ، فقد ورد من حديث عمر بن الخطاب ( رض ) و أبي الدرداء و أبي ذر الغفاري و ثوبان مولى رسول الله  صلى الله عليه واله  وسلم  و شداد بن أوس و علي ابن أبي طالب سلام الله عليه حيث يقول الامام  كنت مخاصر النبي صلى الله عليه واله وسلم يوما إلى منزله فسمعته يقول : ( غير الدجال أخوف على أمتى من الدجال . فلما خشيت أن يدخل قلت : يا رسول الله أي شيء أخوف على أمتك من الدجال ؟ قال : الأئمة المضلين ) ..

السبب الثاني ..الجهل
الجهل بالدين: قال الرسول( صلى الله عليه واله وسلم) ( إن بين يدي الساعة لآياما ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم , ويكثر فيها الهرج والهرج القتل ) وقد ادرك اعداء الامة  اهمية نشر  الجهل وتناغمه مع نواياهم ، فظلامية الجهل وليله هي الحل الأمثل لضمان بقائهم ، وتمرير أجنداتهم ، وتحقيق أهدافهم الخبيثة ومصالحهم الشخصية ، بعيدا عن الضياء والنور الذي يكشفهم ويفضحهم ، ويميط اللثام عن وجوههم ويكشف عن إفلاسهم من الفكر والقيم والأخلاق ، ومن هنا استخدموا الجهل كأفيون يُخدر ويُميِّع الشعوب والأمم ، فعمدوا على نشر الجهل ، وتبني سياسة التجهيل ورديفها التضليل، فشعب جاهل خير لهم من شعب متعلم واع   وأمة جاهلة أضمن لبقائهم من امة متعلمة   امة تجهل تاريخها وحضارتها وقياداتها المخلصة  امة تغفل عن واقعها و مصالحها  امة تجهل ما يضرها وما ينفعها   امة تجهل أعداءها ولا تعرف أصدقائها   امة تجهل المخططات التي تحاك ضدها     هذه الأمة  عاشت  الجهل الذي يجعل منها أمة تابعة وليس متبوعة ومقودة وليست قائدة  ومستهلكة وليست منتجة  ومستوردة وليست مصدرة  وسلبية وليست ايجابية ,  امة خانعة مستسلمة فاقدة للإرادة   نامت في مستنقع التخلف فلا يمكنها أن تواكب الحياة وركب التطور  غير قادرة  على التفكير تمقت التعلم فعشعش الجهل في جسدها المُخدَّر

السبب الاخر هو النفاق وهو مرض اخر ابتليت به الامة ..والنفاق مرض استشرى منذ البداية وقد اخفى الكثير وجوههم الحقيقية وما أضمروه في نفوسهم الخبيثة تحت قناع النفاق واظهار خلاف ما يبطنون وقد تجلت قمة النفاق في فكر المارقة وعلى رأسهم امامهم ابن تيمية وقد كانوا اساس الخراب والدمار الذي حل بالامة ..

ولكن السؤال هو كيف نعرف اننا وقعنا في الفتنة وكيف نميز اننا في الفتنة ام خارجها هذا ما سوف نعرفه في المحاضرة رقم ( 1)  لسماحة السيد الاستاذ دام ظله في بحثه (الدولة.. المارقة.. في عصر الظهور.. منذ عهد الرسول”صلى الله عليه واله وسلم)

حيث يقول سماحته (عن حذيفة رضي الله عنه أنّه قال: إذا أحبّ أحدكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا (كيف يعرف الإنسان قد أصبته الفتنة؟ تعرف الفتن وتميز الفتن وتعدد الفتن نظريًا لكن نأتي إلى التطبيق، نأتي إلى العمل، نأتي إلى السلوك، نأتي إلى المنهج، نأتي إلى المعتقد، كيف تميز الفتنة؟) عن حذيفة رضي الله عنه قال : إذا أحب أحدكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا ، فلينظر ؛ فإن كان رأى حلالا كان يراه حراما فقد أصابته الفتنة ، و إن كان يرى حراما كان يراه حلالا فقد أصابته ” رواه الحاكم في مستدركه وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

وعلق سماحته قائلا … ( والآن نسأل: هل إنّ قتل الأخ من أبناء الوطن من أبناء الدين من أبناء الإنسانية، هل تراه حلالًا أم حرامًا؟ هل كان حلالًا وصرت تراه حرامًا أو كان حرامًا وصرت تراه حلالًا؟ هل تهجير الناس؟ هل الفرح بما يصيب الأبرياء؟ هل قتل الأبرياء؟ هل تهجير الأبرياء؟ هل إثارة الطائفية؟ هل الفساد والإفساد والسكوت على الفساد والإفساد كل هذا تراه حلالًا؟ هل كنت تراه حرامًا فصرت تراه حلالًا أم أنت قد فقدت الاتزان والميزان والتمييز منذ البداية ومن الأصل؟ إذًا علينا أن نميز، علينا أن نحدد، علينا أن نشخص، هل أنّ الإمام الحسين عليه السلام خرج لطلب الإصلاح؟ هل الإمام الحسين خرج ضد الفساد أم خرج ضد الإصلاح؟ هل الإمام الحسين خرج أم بقي؟ سكت أم تكلم وتحدث؟ طالب بحق طالب بإصلاح، طالب بمعروف، نهى عن منكر؟ أنت الآن ماذا تفعل؟ ونحن الآن في أيام عاشوراء هل تخرج لكربلاء لزيارة الحسين عليه السلام وأنت تقتدي بالحسين وتسر على سيرة الحسين، تهتم بالآخرين، تهتم بأمور المسلمين، خرجت ضد الفساد، خرجت للإصلاح، خرجت وتركت خلفك مظلوميات، خرجت وتركت الواجب في الدائرة في الوظيفة في المدرسة أو محل العمل المهني أو الأكاديمي أو غيره من أعمال، تركت العيال، تركت الأهل، تركت الواجب وذهبت لزيارة الحسين، تركت الواجب وذهبت إلى مستحب، هربت وتركت قضاء حاجة الناس وذهبت إلى مستحب، تركت الواجب فارتكبت المحرم وذهبت إلى مستحب، لا يبقى استحباب صار هذا الاستحباب مقدمة لترك الواجب، صار هذا الاستحباب مقدمة لارتكاب المحرم، فلا استحباب في الزيارة، فعليك أن تميز أن تفكر، أن تحدد هل أنك قد أصابتك الفتنة أم لا؟ ) ..