قصــــــة الــهزيــــمة . في ضوء بحوث سماحة السيد الاستاذ الصرخي الحسني ..الجزء الرابع والثلاثون

قصــــــة الــهزيــــمة . في ضوء بحوث سماحة السيد الاستاذ الصرخي الحسني ..الجزء الرابع  والثلاثون 

نواصل الحديث عن الفتن وقلنا ان اول الفتن في الاسلام هي فتنة الخوارج وأساس نهجها  المنحرف هو التكفير ونشر التفرقة والعقائد الفاسدة وبذلك كان هذا النهج الاساس الذي سار  عليه من جاء بعدهم من التكفيريين واصحاب البدع والتدليس والمارقة والإرهابيين .. ونحن كما قلنا سابقا فإننا  ننتقل  في بحثنا حيثما انتقل  بنا السيد الاستاذ الصرخي الحسني في بحوثه وبالخصوص بحث ( الدولة المارقة في عصر الظهور منذ عهد الرسول صلى الله عليه واله ) لانه اعطانا  التصور الواضح في تطور الاحداث والوقائع تاريخيا واجتماعيا وسياسيا وما آلت اليه الامور وفق التسلسل الزمني لبيان حقيقة انفصال المجتمع او الامة عن رسالتها وهويتها وما ادى بعد ذلك الى الضعف والتفكك  وما نشهده الان من نتائج التشرذم والتفرق والهزيمة وحتى نكون ملتزمين وفق بحث سماحة السيد الاستاذ دام ظله والى النقطة التي وصل اليها وهي نشوء الفتنة الاولى والتي كانت هي رأس النفاق ورأس الفتن والممهدة لها والتي فتحت الابواب  مشرعة لكل الفتن اللاحقة وبالخصوص فتنة الدولة المارقة وكما جاء في الحديث المروي عن امير المؤمنين عليه السلام في كتاب الفتن لابن حماد (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ” إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ فَالْزَمُوا الأَرْضَ فَلا تُحَرِّكُوا أَيْدِيَكُمْ، وَلا أَرْجُلَكُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ ضُعَفَاءُ لا يُؤْبَهُ لَهُمْ، قُلُوبُهُمْ كَزُبَرِ الْحَدِيدِ، هُمْ أَصْحَابُ الدَّوْلَةِ، لا يَفُونَ بِعَهْدٍ وَلا مِيثَاقٍ، يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ، أَسْمَاؤُهُمُ الْكُنَى، وَنِسْبَتُهُمُ الْقُرَى، وَشُعُورُهُمْ مُرْخَاةٌ كَشُعُورِ النِّسَاءِ، حَتَّى يَخْتَلِفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْحَقَّ مَنْ يَشَاءُ .) ..

وهنا يتضح من خلال الحديث من هم اصحاب الدولة التي ذكرها الامام امير المؤمنين عليه السلام وهو يصف هؤلاء وصفا دقيقا ونقصد بهم ( الدواعش )  في عصرنا الحاضر وما اطلقوا على انفسهم (  داعش )  وهي مختصر لعنوان دولتهم المزعومة ( الدولة الاسلامية في  العراق والشام ) .. ومن هنا اطلق سماحة السيد الاستاذ على بحثه هذا عنوان ( الدولة المارقة في عصر الظهور منذ عهد الرسول ) فيقول سماحته في المحاضرة رقم واحد من نفس البحث اعلاه (إذًا من هنا ومن هذا العنوان، إلى هذا المستوى من الكلام صار عندنا علم بالعنوان الرئيس للبحث، الدولة المارقة، من هنا انتزعنا هذا العنوان، عنوان الدولة المارقة في عصر الظهور منذ عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. ) ..

ومصطلح او مفهوم الدولة لم يكن موجودا او متداولا في زمن الامام علي عليه السلام ولا في زمن ابن حماد المتوفي في بداية القرن الثالث الهجري وبالتحديد في سنة 229 للهجرة .. لذا فن امير المؤمنين وصف اصحاب الدولة وصفا دقيقا بحيث  انه اشار الى  كلمة الدولة نفسها التي استعملها الدواعش في عصرنا الحاضر ولم يكن مصطلح او مفهوم الدولة موجودا او متداولا انذاك فيقول سماحة السيد الاستاذ ( هنا الدولة، هذه الدولة التي أشار إليها أمير المؤمنين سلام الله عليه، في الوقت الذي لا في زمن أمير المؤمنين سلام الله عليه، ولا في زمن كتاب الفتن وصاحب الفتن يوجد عنوان الدولة، أو لا يشاع أو لم يكن قد أشيع عنوان الدولة، ولم يستعمل عنوان الدولة كمصطلح كما يستعمل الآن، التفت جيدًا: عنوان الدولة المستخدم الآن في عالم المجتمع أو الدول والسياسة لم يكن يستخدم في ذلك الزمان، في زمن صاحب كتاب الفتن فضلًا عن زمن أمير المؤمنين سلام الله عليه (

.. وفعلا ولو تحققنا من الامر فان مفهوم الدولة لم يظهر عند العرب والمسلمين ولم يتم تداولها عند المؤرخين الا في العصور المتأخرة ..  ففي شبه الجزيرة العربية قبيل ظهور الاسلام كانت الوحدة السياسية الاساسية فيها هي القبيلة وكان ينتشر بينها النزاع والقتال الدائم ولم تكن هناك سلطة مركزية توحدها وترعى مصالحها وكانت الرابطة التي تربط الناس انذاك هي القبيلة كقرابة حقيقية او بالولاء وكانت شخصية الفرد تذوب في شخصية القبيلة وحينما ظهر الاسلام عمل على اقامة العلاقات بين افراد المجتمع على اساس التقوى والتعبد بأوامر الله بدلا من الخضوع لحكم القرابة وانشأ الامة الاسلامية بدلا من القبيلة وأعطى للفرد الحقوق وبالمقابل بين له واجباته وبذلك فان  النبي محمد صلى الله عليه واله اول من طبق العقد الاجتماعي بين الفرد والمجتمع وبالعكس والذي يقوم على الصدق والحرية الحقيقة التي لا تتجاوز على حرية الاخرين واعتبر القران الكريم هو القانون الذي يحكم المسلمين بدلا من العرف القبلي وبذلك احتوى الاسلام وبواسطة الدستور الالهي الكيانات القبلية في اطار الامة , ( ويلاحظ انه لم يكن هناك تمايز بين مفهوم الدولة وبين مفهوم الامة في هذه الفترة وانما كان مصطلح امة يشمل الدولة والمجتمع في آن واحد وهذه الملاحظة هي التي تفسر لنا كثرة استعمال مصطلح الامة في القران الكريم وفي الوثائق التاريخية التي ترجع الى العهد النبوي ) راجع سيرة ابن هشام :مصر 1914 .ج2 ,ص16-18 ..

( كما ان القران الكريم لم يستعمل مصطلح ( الدولة ) بالمعنى الذي نفهمه من كلمة ( state  )  الانكليزية والتي تعبر عن الشخصية القانونية من شعب وارض وحكومة ذات سيادة وإنما استعملها تارة بمعنى تداول المال بأيدي فئة من فئات المجتمع ( كي لا تكون دولة بين الاغنياء منكم ) وتارة بمعنى تداول الغلبة في الحرب ( وتلك الايام نداولها بين الناس ) .. طبيعة الدولة الاسلامية ( دراسة تاريخية في المفهوم والنظم والادارة ) د . هاشم يحيى الملاح ..

ولكن يبدو ان مصطلح الدولة بمعنى تداول الغلبة في الحرب تطور في اواخر العهد الاموي وبداية العهد العباسي ليشمل تداول السلطة او الحكم عن طريق الثورة كما فعل بنو العباس حينما استولوا على الحكم وقضوا على دولة بني امية فقد نقل الطبري في معرض حديثه عن الثورة العباسية ( انه قال ابو جعفر لابي العباس يا امير المؤمنين اطعني واقتل ابا مسلم فو الله في رأسه  لغدرة : فقال : يا اخي قد عرفت بلاءه وما كان منه , فقال ابو جعفر : يا امير المؤمنين انما كان بدولتنا والله لو بعثت سنورا لقام مقامه وبلغ ما بلغ في هذه الدولة ..)  يتضح من هذه المحاورة بين المنصور وأخيه ابو العباس السفاح ان كلمة الدولة اخذت تستخدم بمعنى الحركة الثورية التي تستهدف الوصول الى الحكم ..الطبري .. تاريخ الرسل والملوك طبعة لايدن , مسلسلة 3, ج1 , ص 85 ..

ثم ان مصطلح الدولة توسع ليعبر عن معنى ( الاسرة الحاكمة ) نفسها كما يتضح من كلام المؤرخين المتأخرين من امثال الذهبي صاحب كتاب ( دول الاسلام ) حيث يستعمل انقلابات الدول بقوله ( وفيها زالت دولة بني امية وأقبلت سعادة الدولة العباسية من كل وجه … ) الذهبي تاريخ الاسلام , القاهرة ج5 ص200

( وكذلك فقد اصبح مصطلح الدولة في عهد البويهيين كنية يكنى بها رجال الدولة للدليل على اخلاصهم لها والقيام على خدمتها كمعز الدولة وعماد الدولة وركن الدولة وعضد الدولة وفخر الدولة وما الى ذلك من الكنى التي تدل على ان للدولة شخصية معنوية متميزة ومفهوم واضح في اذهان الناس في تلك الفترة .. ) ابن كثير البداية والنهاية

وقد سجل ابن خلدون في مؤلفاته الدولة كمفهوم واضح كما نفهمه الان , ففي مقدمته استعمل مصطلح الدولة كما نستخدمه اليوم تقريبا ..مثل قوله ( وبقيت بلاد الاندلس مقتطعة من الدولة الاسلامية )  وقوله  ( ثم ضعفت الدولة العباسية بعد الاستفحال وتغلب فيها الاولياء والقرابة والمصطنعون ..) ..

وأخيرا فان المسلمين الاوائل وفقهائهم استخدموا عبارة ( دار الاسلام ) للاشارة الى ما تحت يد الخلفاء من اراض وأقاليم اما في زمن النبي صلى الله عليه واله فقد استعمل كلمة امة في اشارة الى المسلمين وذلك كما ورد في الصحيفة التي اعلنها النبي بعد هجرته الى المدينة ( بان  المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم انهم امة واحدة من دون الناس ) ..

ونتحصل من كل ذلك ان مصطلح الدولة لم يتم تداوله في زمن الامام امير المؤمنين اي في زمن صدور الرواية ولا في زمن ناقلها ابن حماد وهذه من كرامات الامام عليه السلام .

ونعود لكلام السيد الاستاذ دام ظله وهو يبين لنا رواية الامام عليه السلام والتي اشارت الى ظهور اصحاب الدولة المارقة وكذلك  دور وتكليف المؤمنين الاخيار في زمن ظهور هذه الدولة بقوله  (المورد الثالث: نعيم بن حماد في كتابه الفتن قال: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ” إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ فَالْزَمُوا الأَرْضَ فَلا تُحَرِّكُوا أَيْدِيَكُمْ، وَلا أَرْجُلَكُمْ، (إذًا عندي المرحلة الأولى والخطوة الأولى العلامة الأولى في هذه الحادثة التي يتحدث عنها والتي ينبؤنا أمير المؤمنين سلام الله عليه يقول: أول ما تظهر في هذه المرحلة، لا أقول في هذا الزمان، لكن المرحلة التي تتحدث عنها الرواية، التي يتحدث عنها أمير المؤمنين، وقلنا: سيأتي نقاش وخاصة في هذه الرواية وبخصوصها، إذًا عندي مرحلة أولى هي الرايات السود، إذًا عندي رايات سود قبل ظهور من ظهر بعدهم، سنعرف من الذي ظهر بعدهم، التفت جيدًا: كل إنسان يراجع نفسه، يراجع موقفه، يراجع سلوكه، يراجع ما مرّ عليه وما مرّ به) ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ ضُعَفَاءُ لا يُؤْبَهُ لَهُمْ، (إذًا في حال ظهور الرايات السود ما هو التكليف؟ نلتحق بهذه أم بتلك؟ في حال ظهور الرايات السود، يقول: فالزموا الأرض ولا تحركوا أيديكم ولا أرجلكم، نشكر الله سبحانه وتعالى، على ما أنعم علينا) قُلُوبُهُمْ كَزُبَرِ الْحَدِيدِ، هُمْ أَصْحَابُ الدَّوْلَةِ، (إذًا أخذ علينا من بعض المنافقين من بعض ضعفاء النفوس كيف نقول: الدولة؟ هنا القصد، نعطي لكل إنسان لكل شخص، لكل خصم ما يريد، ما يرغب، ما يقبل به ونناقش النقاش العلمي، نطرح كل المحتملات، إذًا عندي دولة، عندي دولة العراق والشام، عندي الدولة الإسلامية، عندي داعش وعندي الدولة، هنا الدولة، هذه الدولة التي أشار إليها أمير المؤمنين سلام الله عليه، في الوقت الذي لا في زمن أمير المؤمنين سلام الله عليه، ولا في زمن كتاب الفتن وصاحب الفتن يوجد عنوان الدولة، أو لا يشاع أو لم يكن قد أشيع عنوان الدولة، ولم يستعمل عنوان الدولة كمصطلح كما يستعمل الآن، التفت جيدًا: عنوان الدولة المستخدم الآن في عالم المجتمع أو الدول والسياسة لم يكن يستخدم في ذلك الزمان، في زمن صاحب كتاب الفتن فضلًا عن زمن أمير المؤمنين سلام الله عليه) لا يَفُونَ بِعَهْدٍ وَلا مِيثَاقٍ، يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ، أَسْمَاؤُهُمُ الْكُنَى، وَنِسْبَتُهُمُ الْقُرَى، وَشُعُورُهُمْ مُرْخَاةٌ كَشُعُورِ النِّسَاءِ، حَتَّى يَخْتَلِفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْحَقَّ مَنْ يَشَاءُ .
إذًا عندي رايات سود، وعندي رايات الدولة، وبعد هذا يقول: ثم يؤتي الله الحق من يشاء. إذًا من هنا ومن هذا العنوان، إلى هذا المستوى من الكلام صار عندنا علم بالعنوان الرئيس للبحث، الدولة المارقة، من هنا انتزعنا هذا العنوان، عنوان الدولة المارقة في عصر الظهور منذ عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. )