قصــــــة الــهزيــــمة . في ضوء بحوث سماحة السيد الاستاذ الصرخي الحسني ..الجزء الخامس والثلاثون

قصــــــة الــهزيــــمة . في ضوء بحوث سماحة السيد الاستاذ الصرخي الحسني ..الجزء الخامس  والثلاثون 

بقلم \ خالد الجبوري   

في هذا الجزء سنواصل الحديث عن فتنة الخوارج المارقة باعتبارهم اول الفتن ظهورا واكثرها تأثيرا وأشدها ضررا وأخطرها فكرا واجرؤها  على الله ورسوله والإمام الخليفة امير المؤمنين علي عليه السلام حيث كانوا اول المارقين  والذين تمادوا في قتال امير المؤمنين وبذلك فتحوا الباب للذين جاءوا بعدهم للتجرؤ والاستهانة بمقدسات المسلمين وتجاوز الخطوط الحمراء التي كانت حواجز امام الرموز والمقدسات  .. والمارقة كما وصفهم النبي محمد صلى الله عليه واله في الحديث المروي في البخاري (  البخاري: المناقب:… عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ (رضي الله عنه) قَالَ: [[بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآلِه وسلّم) وَهْوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ (وَهْوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ، فَقَالَ (صلى الله عليه وآلِه وسلّم): {وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟!! قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ}، فَقَالَ عُمَرُ (رضي الله عنه): يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ، فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ (صلى الله عليه وآلِه وسلّم): {دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِوَهْوَ قِدْحُهُفَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ}، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ، فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الَّذِى نَعَتَه  ) ..

 ومعنى المارق الخارج عن الدين والمارق الملحد الكافر كما جاء في معجم المعاني  وفي القاموس الوسيط عن الفراء قال في معنى المارقة ( : سمعت بعض العرب يقول أَطعمنا فلان مَرَقة مَرَقَيْن ؛ يريد اللحم إذا طبخ ثم طبخ لحم آخر بذلك الماء ، وكذا ، قال ابن الأَعرابي . ومَرِقتِ البيضةُ مَرَقاً ومَذِرتْ مَذَراً إذا فسدت فصارت ماء . وفي حديث علي : إن من البيض ما يكون مارقاً أَي فاسداً . وقد مرقت البيضة إذا فسدت . ومَرَقَ الصوفَ والشعر يَمْرقه…

اذن فالمارقة بمعنى الخروج عن الدين وكما وصفهم النبي صلى الله عليه واله بالمارقين  من الدين كما يمرق السهم من الرمية    وتفسير الحديث ان رسول الله يقول يقرؤون القران فلا يجاوز تراقيهم أي ان قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها وقيل (  لا يعملون بالقران ) ولا يطبقون ما جاء فيه وانما فقط يقرؤونه بدون تدبر او تفكر وقلوبهم على اقفالها وليس لهم حظ من القران فلا يصل الى حلوقهم فضلا على ان يصل الى قلوبهم او ان ايمانهم لا يجاوز حناجرهم فهم ينطقون الشهادتين ولم تلامس قلوبهم او انهم يتفننون في تلاوة القران بالحان تخرج من افواههم يظنها السامع بأنها خرجت من افواه مؤمنة ولكنهم في الحقيقة  ليسوا بمؤمنين .. وقوله يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية والرمية المراد منها كل حيوان يرمى للصيد فيقال الغزالة المرمية مثلا فيخرج السهم منها دون ان تظهر عليه الدماء او أي اثر من الصيد  فهم يخرجون من الاسلام بسرعة السهم اذا رماه رام قوي الساعد فأصاب ما رماه فنفذ منه بسرعة بحيث لا يعلق بالسهم شيء من الدماء او غيره والفرض ان السهم قد اصاب الطريدة والى ذلك الاشارة من النبي بقوله ( سبق الفرث والدم ) أي دخل في جسم الطريدة ولكن السهم لم يعلق به شيء من دمائها او لحمها كذلك هؤلاء لم يعلق بقلوبهم أي اثر من الاسلام وهذا ديدن ومنوال كل من سار على نهجهم من الاولين والاخرين ..

وان من صفات هؤلاء الخوارج هو تجرؤهم على الله ورسوله وانهم يعتقدون بان النبي صلى الله عليه واله يضل وينسى وليس واجبا طاعته وانما صدقوه فيما اتاه الله من القران ولكنهم يخالفونه في سنته التي يحكمون انها  تخالف القران وان النبي قد انتهى دوره بعد وفاته ولا تأثير له على الدين وقول احدهم الذي سار على نهجهم ( بان عصاي هذه  تنفع ومحمد لا ينفع ) وقد يطعنون في احاديث النبي مرة في الاسناد وتارة في المتن وغيرها والصفة الثانية التي يفترقون فيها عن المسلمين انهم يكفرون جميع الفرق الاسلامية التي تخالفهم في الفكر والمنهج ويكفرون المسلمين بالذنوب والسيئات ويرتبون عليها استحلال دماءهم  وأموالهم وينتهكون حرماتهم كذلك فأنهم يكفرون كل من يعمل بالتأويل  في تفسير القران او الحديث وهناك صفات اخرى كثيرة يتميز بها هؤلاء سوف نعرج عليها اثناء هذا البحث لاحقا ..

وقد خرج هؤلاء اول ما خرجوا على الامام المجعول من الله وهو امير المؤمنين عليه السلام وبذلك يتبين انهم في الاصل مدفوعين من خلال مؤامرة حيكت من الخط الثالث او الحي الاموي لنشر الاضطراب وعدم الاستقرار في حكومة امير المؤمنين عليه السلام فيشغلون المسلمين بالحروب الداخلية وبذلك لن يتمكنوا من بناء  دولتهم العادلة وكما نفهم ذلك في نهج المارقة على طول الخط وفي كل العصور انهم يخرجون  ويقاتلون الائمة والصالحين ولكنهم لا يخرجون على اولياء نعمتهم   من  حكام الفساد والفجور وسلاطين القصور والطرب والخمور ويعدونهم من ائمتهم الاثنى عشر الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه واله حسب زعمهم كما روج اتباع التيمية المارقة في العصور اللاحقة وكما سنبين ذلك لاحقا ..

وعلى نهجهم خرج اصحاب الدولة كما شرحنا ذلك في المقال السابق في الحديث المروي عن الامام علي عليه السلام بقوله (نعيم بن حماد في كتابه الفتن قال: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ” إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ فَالْزَمُوا الأَرْضَ فَلا تُحَرِّكُوا أَيْدِيَكُمْ، وَلا أَرْجُلَكُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ ضُعَفَاءُ لا يُؤْبَهُ لَهُمْ،قُلُوبُهُمْ كَزُبَرِ الْحَدِيدِ، هُمْ أَصْحَابُ الدَّوْلَةِ،لا يَفُونَ بِعَهْدٍ وَلا مِيثَاقٍ، يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ، أَسْمَاؤُهُمُ الْكُنَى، وَنِسْبَتُهُمُ الْقُرَى، وَشُعُورُهُمْ مُرْخَاةٌ كَشُعُورِ النِّسَاءِ، حَتَّى يَخْتَلِفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْحَقَّ مَنْ يَشَاءُ . ) وبذلك يتبين ان اصحاب الدولة المارقة من الدواعش لا يختلفون كثيرا عن الخوارج الذين قاتلوا الامام علي عليه السلام  وفي الحديث اعلاه يقول امير المؤمنين عليه السلام (إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ فَالْزَمُوا الأَرْضَ فَلا تُحَرِّكُوا أَيْدِيَكُمْ، وَلا أَرْجُلَكُمْ،  ) فيعلق هنا سماحة السيد الاستاذ الصرخي الحسني دام ظله بقوله ((إذًا عندي المرحلة الأولى والخطوة الأولى العلامة الأولى في هذه الحادثة التي يتحدث عنها والتي ينبؤنا أمير المؤمنين سلام الله عليه يقول: أول ما تظهر في هذه المرحلة، لا أقول في هذا الزمان، لكن المرحلة التي تتحدث عنها الرواية، التي يتحدث عنها أمير المؤمنين، وقلنا: سيأتي نقاش وخاصة في هذه الرواية وبخصوصها، إذًا عندي مرحلة أولى هي الرايات السود، إذًا عندي رايات سود قبل ظهور من ظهر بعدهم، سنعرف من الذي ظهر بعدهم، التفت جيدًا: كل إنسان يراجع نفسه، يراجع موقفه، يراجع سلوكه، يراجع ما مرّ عليه وما مرّ به (  .. انتهى ..

فمن هم اصحاب الرايات السود ؟ وهم الذين يسبقون دولة المارقة في الظهور او كما قال السيد الاستاذ (أول ما تظهر في هذه المرحلة، لا أقول في هذا الزمان، لكن المرحلة التي تتحدث عنها الرواية، التي يتحدث عنها أمير المؤمنين، وقلنا: سيأتي نقاش وخاصة في هذه الرواية وبخصوصها، إذًا عندي مرحلة أولى هي الرايات السود، إذًا عندي رايات سود قبل ظهور من ظهر بعدهم، ..) انتهى

وحديث الرايات  السود المنقول عن رسول الله وبألفاظ واسانيد مختلفة ومنها (حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريدا وتطريدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق، معهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فُيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيلمؤها فسطا، كما ملؤوها جورا، فمن أدرك ذلك منكم، فليأتهم ولو حبوا على الثلج”.

ولو استقرئنا الحركات او الدول التي انشئت بهذه الحجة  او رفعت الرايات السود عبر التاريخ سوف نجدها كثيرة  وأحاديث الرايات السود كثيرة وقد اختلف العلماء والباحثون في تحديدها اي الرايات وقد اختلفت ايضا توجهات واراء وطموحات واهداف وشعارات الذين رفعوا الرايات السود عبر التاريخ فهناك العباسيون رفعوا الرايات السود واقبلوا من خراسان نحو العراق وأشاعوا بين الناس انذاك انهم هم المعنيون بالحديث المرفوع لرسول الله صلى الله عليه واله والاتراك ايضا والقرامطة وفي العصر الحديث الايرانيون ايضا اشاعوا بان ثورتهم الاسلامية هي المعنية بحديث الرايات وكذلك منظمة القاعدة وطالبان وأخيرا الدواعش المارقة ايضا ادعوا انهم اصحاب الرايات السود ..

وكل ادعاءات اولئك تبقى مجرد ادعاءات واهية لم  تستند الى دليل وانها فشلت في النظرية والتطبيق بل اساءت الى الاسلام والى هذه الاحاديث كثيرا وعن آثار التطبيق  الخاطئ لتلك الأحاديث على وقائع ليست هي المرادة بتلك الأحاديث  أنها تؤدي إلى تيئيس الناس من دينهم  وخداعهم في بعض المواقف  وزعزعة ثقة المسلمين في دينهم  وشيوع ردة فعل عكسية في أوساط المسلمين بسبب خيبة الأمل من المبشرات  فتطبع في اذهان الناس انها  مبشرات وهمية ومتخيلة وبذلك سوف تؤدي الى عدم التصديق واثارة التشويش والشبهة فيما لو ظهرت الرايات الحقيقية  .. وفي الحقيقة ان سماحة السيد الاستاذ دام ظله لم يصرح بالجهة المعنية بالرايات ولكنه استدرك قائلا ( لا أقول في هذا الزمان، لكن المرحلة التي تتحدث عنها الرواية، التي يتحدث عنها أمير المؤمنين، وقلنا: سيأتي نقاش وخاصة في هذه الرواية وبخصوصها ) .. انتهى

ولكن … بالتأكيد ان الرايات السود التي قصدها امير المؤمنين في حديثه ليست هي الرايات ذاتها التي قصدها النبي في حديث الرايات السود الذي ذكرناه انفا وبدليل ان الامام  عليه السلام قال (إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ فَالْزَمُوا الأَرْضَ فَلا تُحَرِّكُوا أَيْدِيَكُمْ، وَلا أَرْجُلَكُمْ، ) والرايات السود المقصودة صاحبة الحق والتي تدعوا الى الحق وتمهد لظهور صاحب الحق عليه السلام لابد ان يدعوا لها اي الى التسابق اليها  في حال ادراكها والالتحاق بها ولو حبوا على الثلج .. في حين ان الامام عليه السلام قال عنها ( فالزموا الارض ولا تحركوا ايديكم ولا ارجلكم ..) وبذلك يتبين ان الرايات السود المقصودة قبل ظهور المارقة اصحاب الدولة هي رايات باطلة قطعا  ..

وبما ان النبي في حديث الرايات المذكور انفا قد ربطها مع ظهور الامام المهدي عليه السلام فهي مرتبطة به ارتباطا وثيقا روحا وفكرا ومنهجا  فيما نجد  الجهة المقصودة التي تدعي انهم اصحاب الرايات السود التي تسبق ظهور الدولة المارقة فانها لابد قد انقطعت فكرا ونهجا وعملا بالامام المهدي عليه السلام وانها لابد قد اساءت له واظهرت البدع والتدليس والخيانة والفساد ..