قصــــــة الــهزيــــمة . في ضوء بحوث سماحة السيد الاستاذ الصرخي الحسني ..الجزء التاسع والثلاثون

 

قصــــــة الــهزيــــمة . في ضوء بحوث سماحة السيد الاستاذ الصرخي الحسني ..الجزء التاسع والثلاثون 

بقلم \ خالد الجبوري   

ان احاديث الامام المهدي التي وردت عن النبي الاعظم صلى الله عليه واله بلغت كما قلنا سابقا حد التواتر القطعي التي لا يرقى لها الشك ابدا وذلك يدعو الى الايمان المطلق بهذا الاعتقاد والتسليم بما جاء في القران والسنة وما جاء ايضا عن ائمة اهل البيت عليهم السلام ونحن هنا لا نريد ان نأتي بالروايات التي تحدثت عن ذلك فانها قد ملئت الخافقين وسطرتها الكتب والمؤلفات والأخبار ولكننا سوف نتحدث عن حكم العقل البشري بتلك القضية وبهذا الاعتقاد وماذا يقول العقل في تلك المسألة وبتجرد العقل وحده ..

 اهتمت الاديان السماوية الاخرى والمفكرين والفلاسفة على طول الدهر بهذه القضية وقد وضعوا هذه القضية بين يدي العقل  و مبضع التشريح العقلي وبدءوا ينطلقون من التجرد المنتج للمعرفة بالتفكر والتأمل في الخوض والتبحر وليس من النص وأثبتت  فكرة المنقذ والمخلص في نهاية المطاف بعد تلك الرحلة الطويلة الشاقة التي خاضتها البشرية وسط الالام والعذاب والمعاناة والفجائع لتستريح بعدها البشرية وتحط رحالها في ارض العدل والإنصاف والحرية والسعادة بعد ان تسلم الانسانية بين يدي ذلك المخلص صاحب الفرج الاكبر الذي سوف يقلب الموازين وينهي  سطوة الظلم العالمي وينشأ دولة العدل التي من اجلها بعث النبيين والمرسلين والمصلحين ..

وفي الوقت الذي يقول فيه البعض أن فكرة المنقذ هي من نتاج مخيلة  العقل البشري المندك والمنسحق برحى اقطاب  الظلم والجور والفساد المستشري بين بني البشر منذ عمق التاريخ  فإن آخرين يرون أن الفكرة  سماوية وبشارة تفضل بها الله تعالى  وتندرج في  تخطيط الوعد الإلهي .. فقد ورد في كتاب المعتقدات الصينية “اوبنيشات” صفحة 54 ما نصه  ( حينما يمتلئ العالم بالظلم، يظهر الشخص الكامل الذي يسمّى يتر تنكر المبشّر ليقضي على الفساد ويؤسّس للعدل والطهر( ..

ويكاد يشترك المصدران العقل والنص على ان المنقذ المخلص هو حلم البشرية على مر العصور وهنا يعتقد اليهود أن المخلص الموعود هو من بني إسرائيل وأنه من نسل النبي داود عليه السلام وقالوا أن هذا المخلص والذي أسموه بالمسيح سوف يخرج في آخر الزمان فيقيم العدل ويحكم بالقسط وجاء في المزمور 72 من مزامير داود عليه السلام ما نصه ( اللهم أعط شريعتك للملك وعدلك لابن الملك )  وابن الملك إشارة إلى المنقذ في آخر الزمان  ومجموعة من كتب اليهودية والعهد القديم ورد فيها حديث عن المنتظر الموعود  ومنها كتاب دانيال النبي وكتاب اشعيا النبي  وقد جاء في زبور داود عليه السلام كما أنبأنا القرآن الكريم ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) .

وآمن النصارى أيضا بوجود المخلص الذي سينقذ البشرية في آخر الزمان  وهو عيسى ابن مريم  ويتفق المسلمون من مدرستي أهل البيت ومدرسة أهل السنة والجماعة أن رجلا من نسل النبي محمد اسمه على اسم رسول الله سيظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا.

وربما يخطر في بالنا هذا السؤال الذي ينبثق من كلامنا اعلاه حول الايمان بوجود الامام المجعول من الله والذي سوف ينقذ البشرية والذي اشتركت في الايمان به المدرستان العقلية والنصية .. والسؤال هو لماذا لم يجعل الله الوعد الالهي ويحقق العدل واليوم الموعود منذ البداية ؟  لماذا في اخر الزمان ؟ لماذا كل هذا العذاب والشقاء والصراع والتقاتل؟  لماذا في اخر المطاف لماذا ليس من البداية ولا حاجة بعد ذلك الى الظلم والقتل والبطش والتجبر والكوارث التي رأيناها على امتداد تاريخ البشرية .. لماذا ليس من البداية لماذا  سيظهر في  النهاية .؟؟ .

وللجواب على هذا التساؤل نقول ان الانسان لا يشعر بقيمة الصحة والعافية الا اذا ذاق مرارة الالم والمعاناة  فلا يعرف قيمة هذه النعمة وهذه الرحمة الا اذا فقدها لذلك فان الانسان سوف لا يفرط بهذه النعمة ويحاول ان يحافظ عليها بكل الوسائل وبعد ذلك لابد للإنسان ان يشكر ويتمسك بمانح هذه النعمة وهو الله تعالى  ..

وبعد ان  نتيقن ان الوعد الالهي هو رحمة ونعمة سيمن الله تعالى بها على البشرية بعد طول العذاب والشقاء حتى يعرف الانسان قيمة هذه النعمة ويحافظ عليها وبعد ذلك لابد له ان يعرف المنعم الاول وهو الله ويتمسك بحبه وطاعته والإذعان والعبودية له قال تعالى ( ونر يدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) .. فالمنة من الله وليس من البشر وبذلك يجعل الله الامام ليس باختيار من الناس وليس بانتخاب ديمقراطي مزيف وليس باشتراكية او ماركسية او رأسمالية او افلاطونية او ميكافيلية او زرادشتية او غيرها من ترهات البشر بل هي ارادة الله وحكمته ونعمه المتواصلة وفق تمكين وجعل لا دخل لوسائل البشر فيه ولا تدخل لقوى الارض ليكون ميراث الانبياء والرسل والرسالات من ذرية النبي الخاتم صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين ..

وبعد هذه المقدمة البسيطة التي اوضحنا  فيه مقام الظهور بين العقل والنقل لنصل الى التساؤل المهم لماذا ينكر البعض هذا الامر الذي اثبته العقل والشرع .؟؟ .

ان نكران امرا واضحا لا لبس فيه  اثبته العقل والنص يؤشر لنا ان هذا المنكرانما انكر  لمرض او خلل فيه لابد من ذلك فان انكار الشيء البديهي والذي هو من اوضح الواضحات انما يعطينا فكرة على ان الناكر انما لعمى في بصره او خلل في عقله او لمرض في قلبه ولا وجود لمبرر او مسوغ  او حجة بعد ذلك .

فقد اثبت البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم في صحاحهم هذا الامر وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه واله  قال: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم وإمامكم منكم.
وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة لهذه الأمة.
و ما رواه أحمد والترمذي وأبو داود أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: لا تذهب -أو لا تنقضي- الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي.
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: المهدي مني.. أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطاً وعدلا، كما ملئت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنينرواه أبو داود والحاكم)  وحسنه الألباني ) في صحيح الجامع.
وعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:المهدي من عترتي من ولد فاطمةرواه أبو داود وابن ماجه)  وصححه الألباني(
وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلةرواه أحمد وابن ماجه صححه)  أحمد شاكر والألباني(
وعن أبي سعيد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه واله  وسلم قال: يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتخرج الماشية وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أوثمانيا، -يعني حججاً-. رواه الحاكم ( وصححه ووافقهالذهبي والألباني)
هذه الأحاديث وغيرها كثير تفيد التواتر والعلم القطعي والإيمان الاعتقادي  فلماذا ينكر البعض من المارقة وأئمتهم الا اذا نخر بهم المرض وأفسدهم البغض واهلكهم الحقد ..

فنرى هنا في الاحاديث السابقة ان البخاري عندما يتطرق الى احاديث المهدي لا يأتي على ذكر اسم الامام ويحاول ان يخفي ذلك وطبعا كما قلنا هو لغاية بل لخلل في اعتقاده وقد ذكر المحقق السيد الاستاذ في المحاضرة الاولى من نفس البحث ( الدولة المارقة ) ذلك القفز وعدم ذكر اسم الامام في قوله دام ظله ( كما قال قبل قليل صديق حسن قال: إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة، البالغة إلى حد التواتر) في إعراض البخاري عنها بالرغم من أنّ العديد منها صحيحة حتى على شرط البخاري!!! وبحسب ما قمت به من بحث ( طبعًا البحث ناقص واستقرائي ويمكن للآخرين أن يدققوا أكثر في هذا الأمر) لم أجد أيّ حديث في البخاري يتضمّن عنوان المهدي وكذلك لم أجد في مسلم أيّ حديث يتضمّن عنوان المهدي لكن وجدت في بعض من نَقلَ عن مسلم أنّه ذكر حديثًا واحدًا يذكر عنوان المهدي ( وحتى في ذكر هذا الحديث لكنّه في سياق الكلام عند ذكر نزول عيسى عليه السلام يقول: ينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وآله وسلم فيقول أميرهم: تعال صلِّ. هذا أصل الرواية الموجودة في مسلم، البعض الذي ينقل يقول: فيقول اميرهم المهدي تعال صلِّ ( .. وفعلا كما قال السيد الاستاذ فقد اثبتنا هنا الاحاديث التي ذكرها البخاري ودققنا كثيرا فلم نجد ما يدل على انه ذكر الامام بعنوان المهدي ..

اما ابن كثير الدمشقي المولود في سنة 701 هجرية والمتوفي في سنة 774 للهجرة والمدفون في جوار امامه ومرجعه ابن تيمية في مقبرة الصوفية في دمشق ..درس على يد ما يسمى بشيخ الاسلام ابن تيمية الحراني ورافقه واحبه واخذ عنه   .. و جاء في رأي السلفية عن ان كثير  انهم قالوا ( أنه سلفي الاعتقاد في غالب بل كل مؤلفاته، فكان يصرح بها، ولعل المتتبع البسيط لتفسيره (تفسير القرآن العظيم) يرى بوضح وبدون أدنى لبس أنه على عقيدة شيخه ابن تيمية. وكذلك ما كتبه في أول كتابه الجليل “البداية والنهاية” عن علو الله على عرشه وإثبات صفة العلو والفوقية لله العلي القدير ) !!! ويقصدون ان له رأي بان الله يجلس على عرش ووصف له التجسيم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

وهذا ابن كثير عندما يأتي الى ذكر المهدي فانه كأنما ينزعج ويتبرم  فلم يستطع الانكار ولكنه  التجأ الى التأويل والتفسير القادح بالإمام  .. وهنا يقول سماحة السيد الاستاذ في نفس المحاضرة عن ذكر ابن الاثير.
أمّا ابن كثير فقد وقع في حيرة من أمره، فلم يقدر على إنكار ذلك كليًّا فالتجأ إلى التفسير والتأويل القادح الجارح المنتقص من المهدي عليه السلام!!! فعند ذكره للرواية الواردة عن أمير المؤمنين عليه السلام التي رواها الألباني في صحيح الجامع الصغير، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: المهدي منّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة. ( التفت جيدًا ماذا يقول ابن كثير عن هذا؟ الذي عنده والذي هو فيه لا يتركه يستقر!! عدم التوازن عند ذكر النبي وأهل بيته سلام الله عليهم ، كل شيء يؤدّي ويشير ولو من بعيد إلى أسيادهم إلى قادتهم إلى أمرائهم إلى أئمّتهم إلى أنبائهم إلى آلهتهم لا يستقرّون أبدا!!! فعندما يذكرون هذا الحديث يقول المهدي منّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة. ماذا يعلّق ابن كثير؟ لاحظَ والتفتَ إلى هذا الشطر الأخير!! وعندما تأتي إلى العلماء إلى العقلاء إلى المنصفين إلى المسلمين إلى المؤمنين طبعًا لا يقولون بما قال ابن كثير. ماذا يقول ابن كثير؟) قال: أن يتوب عليه ويوفقه ويلهمه ويرشده بعد أنْ لم يكن كذلك. (بعد أنْ لم يكن كذلك!!! ) البداية والنهاية/ الفتن والملاحم ..  ..