قصــــــة الــهزيــــمة ..الجزء الخامس

قصــــــة الــهزيــــمة . في ضوء بحوث سماحة السيد الاستاذ الصرخي الحسني ..الجزء الخامس

خالد الجبوري

كما وعدنا في المقال السابق ان نتحدث عن مبدأ الغاية تبرر الوسيلة هو مبدأ ليس جديدا كما يعتقد البعض غاية  الامر ان المفهوم قد تم تقنينه او تطويره  وشرعنته في بعض الاحيان ليصبح شيئا عاديا مستساغا وطبيعيا وفك ارتباطه اخلاقيا اذا صح القول  ونشره وتدريسه في المناهج الاكاديمية  ووضعت  حوله  الدراسات والبحوث وتم استخدامه بصورة اشمل واكثر تركيزا واتساعا  ووضعت له الافكار والتصورات التي تبيح لأصحابها انتهاج أساليب المراوغة والغش والعمل بروح المؤامرة أو اتخاذ نمط ( البراغماتية  ) التي تعني سياسة فرض الأمر الواقع فينسلخ فيها الإنسان من مبادئه ويتماشى مع بيئة ملوثة  بالفساد والانحراف إلى الدرجة التي يصبح فيها المفسد وانحرافه  من الواقعيات ولكن الحقيقة ان هذا المبدأ اول من عمل به ووضع له الحجر الاساس  في بلاد الاسلام  هم الامويون لان غايتهم هي الحكم والسلطة ولم يتورعوا  في استخدام كل الوسائل والادوات والاسباب المتاحة للوصول للسلطة والبقاء  فيها اطول فترة ممكنة لذلك قال معاوية قولته المشهورة حين قتل الصحابي مالك الاشتر(  ان لله جنودا من عسل )  ويقصد انه قام بدس السم اليه في عسل وقتله للتخلص منه ,  كما انهم اول من استخدم الرشا وشراء الذمم لاستقطاب الناس حولهم واستخدموا كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة المحرمة وغير المحرمة لاجل ادامة وصيانة حكمهم وتبعهم مريديهم والسائرون على نهجهم ومن اولئك  ابن تيمية حيث استخدم الاكاذيب والتدليس والتحريف لنشر افكاره الهدامة في المجتمع الاسلامي .. والغاية تبرر الوسيلة” شعار له تأثير عميق في نفوس الكثيرين ويستخدمونه من أجل الوصول الى أهدافهم وغاياتهم ولعل السلطة والحكم من أهم تلك الاهداف التي يسعى لها البعض  والشواهد التاريخية كثيرة جدا ولا يمكن حصرها   فهناك من أتخذ منهج الدس والتحريف والكذب من أجل تحقيق هدفه في الوصول للسلطة والحكم  وهناك من اتخذ اسلوب قتل وسفك دماء أهل البيت عليهم السلام من أجل الحكم  وهناك من رفع شعارات الثأر لأهل البيت من أجل الحكم كالمختار الثقفي وبني العباس وغيرهم  , وفي العصور المتأخرة اول من نظر لهذا المنهج هو نيكولو دي برناردو دي ماكيافيلّي (3 مايو 1469 – 21 يونيو 1527) ولد وتوفي في فلورنسا،  كان مفكرا وفيلسوفا سياسيا إيطاليا إبان ما يسمى بعصر النهضة. أصبح مكيافيلي الشخصية الرئيسية والمؤسس للتنظير السياسي الواقعي، والذي أصبحت فيما بعد عصب دراسات العلم السياسي. أشهر كتبه على الإطلاق، كتاب الأمير، والذي كان عملاً  اراد  مكيافيلي منه أن يكتب تعليمات للحكام، نُشرَ الكتاب بعد موته، وأيد فيه فكرة أن ماهو مفيد فهو ضروري، والتي كان عبارة عن صورة مبكرة للنفعية والواقعية السياسية. ولقد فُصلت نظريات مكيافيلي في القرن العشرين. ويذهب الكثير من المفكرين السياسيين بان لميكيافيلي دور هام في تطور الفكر السياسي الحالي الذي يعتمد الاكاذيب والخديعة والاعلام المزيف ، حيث انه اسس منهجا جديدا في السياسة، بافكار تبشر بمحاولات لتجاوز الفكر الديني. نقطة التحول هذه لتجاوز السلطة الدينية التي كانت سائدة في الفكر السياسي الأوروبي في القرون الوسطى اعقبت بتحولات أخرى أكثر جدية من طرف فولتير ومنتسكيو وجون لوك وجان جاك روسو وغيرهم من المفكرين التنويريين الليبراليين في اوربا  وهكذا كان ميكافيلي نقطة تحول هامة في تاريخ الفكر السياسي الحديث و المجتمع عند ماكيافيلي يتطور بأسباب طبيعية، فالقوى المحركة للتاريخ عنده هي “المصلحة المادية” و”السلطة”. وقد لاحظ صراع المصالح بين جماهير الشعب والطبقات الحاكمة، وطالب ماكيافيلي بخلق دولة وطنية حرة من الصراعات الإقطاعية القاتلة، وقادرة على قمع الاضطرابات الشعبية ( وهذا ما نلاحظه يطبق في  بلداننا ) . وكان يعتبر من المسموح به استخدام كل الوسائل في الصراع السياسي ..وبرر القسوة والوحشية في صراع الحكام على السلطة.  ومن اقواله  “الغاية تبرر الوسيلة” . و ”إنها متعة مضاعفة عندما تخدع المخادع“. و”الطريقة الأولى لتقييم حكمة الحاكم، هي النظر إلى الرجال المحيطين به“ و”إن الدين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس. كان المواطن الروماني يخشى حنث اليمين أكثر من القوانين، لأنه يهاب أولئك الذين يمثلون سلطات الرب أكثر من الرجال“.

و يقول ايضا “حبي لنفسي قبل حبي لبلادي” .و يقول «جميع الأمراء يريدون الظهور بمظهر الرحمة لا القسوة، ولكن عليه التأكد ألا يسيء استخدام هذه الرحمة. لا ينبغي على الأمير التردد في إظهار القسوة للإبقاء على رعاياه متحدين، لأنه بقسوته هذه هو أكثر رحمة من أولئك الذين يسمحون بظهور الفوضى بسبب لينهم. ولكن عليه أن يكون حذرًا، لن يستطيع تجنب سمعة القسوة فجميع الدول الجديدة محاطة بالمخاطر. لكن بامكانه المضي قدمًا بكثير من الحكمة والإنسانية. فالثقة المفرطة ستكسبه سمعة المغفل، وعدم الثقة ستظهره بمظهر الغير متسامح. من هنا يأتي السؤال، هل من الأفضل أن تكون مهابًا أم محبوبًا؟ الإجابة هي من الجيد أن تكون مهابًا ومحبوبًا ولكن من الصعب تحقيق ذلك، والأضمن أن تكون مهابًا على أن تكون محبوبًا، إذا لم تستطع أن تكون كليهما. الرجال بشكل عام جاحدون، طليقوا اللسان، جشعون ويحرصون على تجنب المخاطر. طالما أنهم مستفيدون منك، فأنت تملكهم بشكل كامل، يعرضون عليك دمائهم وسلعهم وأطفالهم عندما تكون المخاطر بعيدة. ولكنهم يتمردون عندما يقترب الخطر والأمير الذي يعتمد على كلماتهم دون الاستعداد لإجراءات أخرى، سيزول لأنه اشترى صداقتهم ولم ينلها بنبله وعظمة روحه. يتردد الرجال في إهانة ملهمي الخوف مقارنة بملهمي المحبة، لأن الحب يتماسك بسلسلة من الالتزامات التي سيكسرها الرجال فور خدمة أغراضهم. لكن الخوف يتماسك برعب من العقوبة لا يفشل أبدًا» انتهت اقوال ميكافيلي ..

اعتقد ان الغاية تبرر الوسيلة اخطر ما فيها هي وصولها بوسيلة شرعية !! الى مرادها وغايتها ومن ثم تلتف على تلك الوسيلة لتحرقها وتضربها بشدة بسكاكين اعدائها كما حصل للاسلام فقد تعرض لظلم واعتداء كبير عندما وصلت الحكومات والامبراطوريات تحت اسمه وشعاراته ولكنها بمجرد ان يستتب لها الامر وتسيطر وتستحوذ على كافة السلطات الدينية والزمنية واذا بها تعرض الدين والاسلام في مزادات التشويه والتسيقط  وتحت وطأة سياساتها واجراءاتها ذاتها كما شهدنا ذلك ابان الحكم الاموي والعباسي وما تلاهما من حكومات وسلاطين واستمرت هذه المتلازمة الى يومنا هذا واخذت طابعا مهولا من التعرض والتسقيط المقنن والمطور والمستحث ليس فقط لخدمة بقائها بقدر ايجاد الاسباب لانهاء وازالة الدين الاسلامي لان الاسلام دين الانسانية وضد مقولة الغاية تبرر الوسيلة ..

يقول سماحة المحقق الاستاذ الصرخي الحسني في  بيــان رقم –77 – الموسوم ( الحركة الاصلاحية بين الايثار والانتهازية ..) ..

[ و نفس الكلام يجري على أهل الكوفة هذا الزمان فإنهم لتبرير أو لمعالجة حالتهم النفسية أو لتحسين سمعتهم و واجهاتهم أو لفلسفة عملهم أو للتقليل من خطورته و تأثيراته أو لفلسفة البديل أو لفلسفة التكفير عن الذنب فإن المجتمع الكوفي المعاصر المتدين السالك و العامل بنهج التقليد الذي لم يقلد المرجع القائد المصلح أصلا أو قلده لكن تخلى عنه (و كل ذلك لأن طريق المصلح صعب وفيه المؤونة الكبيرة و المشقة الشديدة و التضحيات الكثيرة بالرغم من معرفتهم و تيقنهم بأحقية المصلح و منهجه لكنهم يجحدون ) فهذا المجتمع ينافق و يفلسف جبنه و خنوعه بتقليد الخط الآخر المتمثل بالمرجع الساكت الصامت لأن الطريقة أسهل و أخف مؤونة و لا مشقة فيها.. لكن مع ذلك فانه يبقى المرجع المصلح و منهجه هو القدوة و المثل الأعلى و هذا ما يعتقده المجتمع و يعلم به المرجع الساكت الصامت وعندما تتوفر الظروف لإظهار ما يرجع إلى منهج و نظريات المصلح و يكون إظهار ذلك خفيف المؤونة و كان في إظهاره الربح و المنفعة و الواجهة و السمعة مع عدم اي مضرة او مشقة فإن المجتمع و المرجع الصامت كلاهما يتسارعان و يتسابقان و يدفع أحدهما الآخر نحو تطبيق ذاك المنهج ظاهرا و هذا ما شاهدناه و لمسناه و عشناه في تصدي الحوزة و المرجعية الساكتة الصامتة للتصدي والعمل وكأنها هي صاحبة الولاية العامة ونظرياتها الاصلاحية التي تخالف فكرها ومنهجها و معتقدها الأصلي بل فعلت ذلك من أجل محاكاة و مجاراة المجتمع و كسب المنافع المالية و السمعة و الواجهة..وكسب رضا السلطة الفاسدة او قوى محتلة كافرة .. و مما سبق يمكن أن تقول و باختصار (أن المرجع القائد المصلح يكون قائدا للمجتمع بينما المرجع الساكت الصامت يكون منقادا للمجتمع و للهوى و النفس و السمعة و الواجهة)..و مما يدخل في التحليل السابق و يؤثر فيه أن المرجعية الصالحة المصلحة تكون متصفة بنكران الذات و الإيثار و شعارها دائما و أبدا أن الغاية لا تبرر الوسيلة ..أما المرجعية الأخرى ومؤسستها فتكون متصفة بالنفاق و الانتهازية و شعارها دائما و أبدا أن الغاية تبرر الوسيلة ..و هذا هو الثابت عبر العصور من كبراء الأمة و أغنيائها و ذوي الطول و الواجهات كأحبار اليهود و أبي سفيان و معاوية و يزيد مرورا بطواغيت بني العباس حتى طواغيت هذه الأمة و علماء النفاق و يبقى والمكر والنفاق والانتهازية فيها حتى ظهور المعصوم (عليه السلام) و تحقيق دولة العدل الإلهي المباركة.] …

=========

للاطلاع ..رابط البيان رقم 77

goo.gl/KBGWjx

خالد الجبوري