قــــصــة الهــزيـمـة .. في ضوء بحوث الصرخي الحسني … الجزء الحادي و الســـتـــون ..

قــــصــة الهــزيـمـة .. في ضوء بحوث الصرخي الحسني … الجزء الحادي و الســـتـــون ..

بقلم \ خالد الجبوري

يوم الفتح …

قال تعالى  في سورة السجدة (وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (28قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (29فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ (30)) ..

قال في (الفتوحات الإلهية): (يوم الفتح المراد به يوم القيامة الذي هو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم )
وقال الآلوسي: أخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: (يوم الفتح يوم القيامة (  (((2) ثم قال: هذا وتفسير يوم الفتح بيوم القيامة ظاهر على القول بأن المراد بالفتح الفصل للخصومة. ثم ذكر ما قيل من تفسير يوم الفتح بأنه يوم بدر، أو يوم فتح مكة، وما إلى ذلك من أقوال علماء التفسير وهي مرجوحة، والراجح هو ما تقدم من تفسيره بيوم القيامة  (3) …

هنا في هذه الاية الكريمة وعد الله الناس بيوم الفتح وقد اختلف ايضا المفسرون في تفسير يوم الفتح وتعيينه فمنهم من قال هو يوم فتح مكة او يوم بدر او يوم القيامة حيث يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم ..

فإذا قلنا ان يوم الفتح المقصود به هو يوم فتح مكة فانه لاشك بان الكفار قد جعل  الله لهم التوبة قبل الفتح وبعد الفتح وقد تاب الله على كثير من الناس بعد فتح مكة ودخلوا الاسلام ودافعوا عنه وقد نفعهم الايمان بعد ذلك فيما نلاحظ في سياق الاية انها تؤكد ان يوم الفتح ( لا ينفع الذين كفروا ايمانهم ولا هم ينظرون ) اي ان في يوم الفتح الذي تقصده الاية لا ينفع نفس لم تكن امنت من قبل اما اذا قلنا هو يوم القيامة فلماذا اشارت الاية لتسميته بيوم الفتح لماذا لم تطلق عليه الاسم الصريح وهو يوم القيامة او الحشر او الوعد  (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 47 يونس ) ومن الطبيعي ان يوم القيامة لا يوجد فيه ايمان بعد ذلك او توبة لأنه اذا صار يوم القيامة فلا دنيا بعد ذلك ولا عودة لها  و لما قال ( ولا هم ينظرون ) لان القيامة ليس فيها انتظار لانه يوم لا رجعة فيه  وإنما النظر والانتظار في الحياة الدنيا قال تعالى (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ( 36 (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (37إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38)الحجر ..

فان النظر هنا في هذه الاية الى يوم البعث اي حتى نهاية الدنيا وقيام الساعة او حتى قبلها في الوقت المعلوم الذي سوف يأتي ذكره وتفصيل معناه وتفسيره ان شاء الله لاحقا ..

اذن يوم الفتح لا يمكن ان يكون في يوم القيامة والفتح بمعنى الدخول  والانجاز الباهر والتهيئة وتأتي بمعنى التمهيد ومنها تأتي الفتوحات ودائما ما يكون النصر ملازما للفتح ولا يسمى الفتح فتحا بلا نصر وغالبا ما استعملت العرب الفتح في الغلبة بالحرب ولذا قال تعالى ( اذا جاء نصر الله والفتح ) سورة النصر ..فالملازمة والقرينة بين الفتح والنظر او الانتظار ويعني الامهال لا يعني بيوم القيامة …

ثم قال الله تعالى لنبيه الكريم ان يعرض عنهم أي يصد عنهم ويتركهم  ويبلغ ما انزل اليك  (  اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (  الأنعام : 106 ] وانتظر فان الله سينجز لك ما وعدك من النصر وظهور الامر وان الله سوف يؤيدك وينصرك .. والانتظار لفظ طالما يستعمل في الترقب والتنبؤ والإمهال والتأجيل والتأخير والاستنظار أي توقع القدوم  ويعني الامل الذي بدونه لا يكون عمل ولا سعي ولا نشاط ولا حلم انه يوم لا يأس معه لان اليأس لا يمنح مقومات الاستمرار والنجاح ويوم الفتح ينبض ببارقة امل تطمئن فيها البشرية وتفعم  بالحياة  ومن اجلها لبزوغ نور الفرج والانتظار والترقب , يوم الفتح بشارة بيوم موعود ينتصر فيه الحق على الظلمات ويوم الفتح الذي وعد به الله عباده المؤمنين يرسخ في الاذهان فكرة الانتظار والترقب  وعدم اليأس او القنوط وغلق بؤرة التخاذل وقطع  الطريق امام الهزيمة والانحراف والفساد والظلم حتى يأتي ذلك اليوم ..يقول سيد الموحدين امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام (أخذوا يمينا وشمالا طعنا في مسالك الغي، وتركا لمذاهب الرشد. فلا تستعجلوا ما هو كائن مرصد. ولا تستبطئوا ما يجئ به الغد. فكم من مستعجل بما إن أدركه ود أنه لم يدركه. وما أقرب اليوم من تباشير غد (1). يا قوم هذا إبان ورود كل موعود (2). ودنو من طلعة ما لا تعرفون. ألا ومن أدركها منا يسري فيها بسراج منير، ويحذو فيها على مثال الصالحين ليحل فيها ربقا (3)، ويعتق رقا، ويصدع شعبا، ويشعب صدعا (4)، في سترة عن الناس لا يبصر القائف أثره (5) ولو تابع نظره. ثم ليشحذن فيها قوم شحذ القين النصل (6). تجلى بالتنزيل أبصارهم (7). ويرمى بالتفسير في مسامعهم ) نهج البلاغة – خطب الإمام علي (ع) – ج ٢ – الصفحة ٣٥ ..

والانتظار ايضا يعني  التربص  فالنبي صلى الله عليه واله ينتظر وأولئك المشركون والكافرون يتربصون او يتوقعون ان يحل بهم العذاب والخزي والهزيمة ..

وذلك يوم الفتح يوم الوعد الالهي بظهور الامام المهدي عليه السلام الذي تنتظره البشرية على احر من الجمر فيما يتربص به الظالمون والمنافقون  الريب والتشكيك والاستهزاء ..

وفي ذلك يقول سماحة السيد الاستاذ في المحاضرة السادسة من بحث الدولة المارقة (( قانون إلهي، وعد إلهي بالصبر، بالترقب، بالانتظار، والنتيجة الثأر الثأر، النتيجة النصر النصر، النتيجة الفتح الفتح، إذًا نقول: ولنصبرنَّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون، وانتظر إنّهم منتظرون، وارتقبوا إنّي معكم رقيب، وانتظروا إنا منتظرون، ويؤخركم إلى أجل مسمّى ولنصبرنَّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون وعلى الله فليتوكل المتوكلون ..

ثم يضيف سماحته وهو يناجي الله تعالى ويسأله بقوله (( متى يا إلهي وسيدي ومولاي ؟ يا سيدي ويا إلهي متى يحصل هذا؟ متى يحصل النصر؟ متى يحصل الفتح؟ متى تتحقق البشرى؟ إنّها بشرى إلهية، إنّه وعد إلهي، مرّت أجيال من المظلومين، نحن الآن في عصر المظلومين في عصر المستضعفين، في عصر المهضومين، في عصر المسحوقين المهجرين، من المسلمين من السنة من الشيعة، من المسلمين من غير المسلمين، من المستضعفين في كل العالم، متى الفتح؟ متى البشارة يا الله ؟ متى نصبح ظاهرين عليهم؟ ننتظر نريد الوعد، نريد البشارة، متى تتحقق؟ ماتت أجيال وانسحقت أجيال، لا يتحقق هذا الوعد الصادق إلّا باليوم الموعود، إلّا بالمهدي الموعود، إلّا بدولة الموعود) ..

وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21 (  السجدة

اختلف اهل التأويل والتفسير في معنى العذاب الادنى فقال بعضهم انه مصائب الدنيا في الاموال والأنفس وقال بعضهم هو الدخان والبطشة والروم  وجاء في تفسير الطبري عدة اقوال منها  (حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس  (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَاب الأدنى) يقول: مصائب الدنيا وأسقامها وبلاؤها مما يبتلي الله بها العباد حتى يتوبوا.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَر لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) قال: العذاب الأدنى بلاء الدنيا، قيل: هي المصائب.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن عروة، عن الحسن العرني، عن ابن أبي ليلى، عن أُبيّ بن كعب (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى) قال: المصيبات في الدنيا قال: والدخان قد مضى، والبطشة واللزام.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر، قالا ثنا شعبة، عن قتادة، عن ابن عروة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أبي لَيلى، عن أُبيّ بن كعب، أنه قال: في هذه الآية (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: مصيبات الدنيا، واللزوم والبطشة، أو الدخان: شكّ شعبة في البطشة أو الدخان.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قَتادة، عن عروة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزّار، عن ابن أبي لَيلى، عن أُبيّ بن كعب، بنحوه، إلا أنه قال: المصيبات واللزوم والبطشة. ,.

وقيل فيها اقوال اخرى مشابهة لما جاء في اعلاه من تفسيرات ومعان ..

اذن وحسب سياق الاية لكريمة انه لدينا عذابان ادنى واكبر فما هو العذاب الادنى وما هو الاكبر فهناك تفسيرات  كثيرة كما قلنا واحتمالات متعددة ولكن  خط التكفير يأبى ان يأخذ  اي احتمال من بيت الوحي وبيت الرسالة وكما قلنا فان الحقد والبغض والتكفير والأنانية قد اعمت ابصارهم واصمت اسماعهم فلم يعودوا ليبصروا غير انانيتهم وتدليسهم وأحقادهم ..

ولكن ماذا قال ائمة اهل البيت عليهم السلام بخصوص هذه الاية وكيف فسروها هذا ما سنعرفه من لسان المحقق الاستاذ ان شاء الله في الجزء الاتي ..

……………………………………

(1) تباشيره: أوائله (2) إبان بكسر فتشديد وقت. والدنو: القرب (3) الربق بكسر فسكون حبل فيه عدة عرى كل عروة ربقة بفتح الراء تشد فيه البهم (4) يفرق جمع ضلال ويجمع متفرق الحق (5) القائف الذي يعرف الآثار فيتبعها (6) يشحذن، من شحذ السكين: أي حددها. والقين: الحداد والنصل: حديدة السيف والسكين ونحوها (7) تجلى بالتنزيل يعودون إلى القرآن وتدبره فينكشف الغطاء عن أبصارهم