قــــصــة الهــزيـمـة .. في ضوء بحوث الصرخي الحسني … الجزء التاسع والخمسون ..

قــــصــة الهــزيـمـة .. في ضوء بحوث الصرخي الحسني … الجزء التاسع والخمسون ..

بقلم \ خالد الجبوري

وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ (70وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ (73..سورة هود

هذه الايات المباركات والتي وردت بعدها والتي تلاها  سماحة السيد الاستاذ المحقق في بداية محاضرته السادسة من بحثه ( الدولة المارقة في عصر الظهور منذ عهد الرسول صلى الله عليه واله ) ..وقد توقف سماحته على الايتين 71 و 73 ليسجل  ملاحظة مهمة في تعليقة  له حيث قال ( وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ … وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)… قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ (ليس من شأننا، ليس من اختصاصنا، لماذا يخص الله أهل البيت؟ هل يوجد عاطفة؟ هل يوجد صلة قربى بين الله وبين هؤلاء؟ لا يوجد هذا. ما هي الحكمة؟ ما هي العلة؟ الله أعلم بها. أمر الله السجود لآدم، يجب أن نسجد لآدم. أمر الله إطاعة أهل البيت؛ محبة أهل البيت، نلتزم بهذا. لا نسأل كما سأل إبليس، لا نستفهم كما استفهم إبليس. هو أمر علينا أن نمتثل لهذا الأمر) إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) .. انتهى ..

في سياق هذه الايات ذكرت تعحب امرأة ابراهيم عليه السلام عندما جاءته الملائكة رسل الله اليه لتلقي عليه البشرى وكانت امرأته قائمة فضحكت مستبشرة بخلاص لوط عليه السلام من قومه الذين كفروا وفسقوا فبشرتها الملائكة  بإسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب حيث اخبروها بأنها سوف  تلد نبيا  اسمه اسحاق ومن ورائه ابنه ووريثه يعقوب فتملكها العجب حتى بادرت بالقول الصريح والعلني فقالت متعجبة (ياويلتى  أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا .. ان هذا لشيء عجيب ) فقالت لها الملائكة ( اتعجبين من  امر الله  .. رحمة الله وبركاته عليكم اهل البيت ) وهنا ذكر الله تعالى اهل البيت عليهم السلام وهم اهل بيت العصمة والنبوة الاطهار وقد جاءت الاية بمثابة  ارسال او ايصال بركات ورحمة ودعاء وثناء من الله  في اطار حدث ماض  الى  مستقبل الازمنة كونه يقتضي امر يُترجى ولم يحصل بعد وقد اختلف العلماء والمفسرون حول هذه الاية المباركة المخصوص بها اهل البيت عليهم السلام في سبب ذكرها  في امر ضيف ابراهيم  عليه السلام  وهم الملائكة الذين جاءوه بالبشرى  ولا اريد ان اذكر هنا ما قاله المفسرون والعلماء في خصوص هذه الاية المباركة خشية الاطالة ويمكنكم الاطلاع عليها بأنفسكم .. ولكن اعتقد والله العالم ان ذكر اهل البيت عليهم السلام هي لتذكرة الناس من ان ذرية  اسحاق واغلبهم من الانبياء  سوف تستمر فيهم النبوة ولن تتوقف الى اجل مسمى  لانه سوف يأتي من ولد اسحاق اكثر من الف نبي  من بني اسرائيل في حين ان اسماعيل عليه السلام لن يخلف له نبي من ابنائه حتى رسول الله محمد صلى الله عليه واله فجاء ذكر اهل البيت باعتبارهم اهل بين النبي الامي الذي سوف يولد في اخر الزمان أي ان الله تعالى اشار الى اسحاق ومن بعد اسحاق يعقوب ثم الفت الله تعالى نبيه ابراهيم وزوجته بان نسل اسماعيل سوف لن يكون منه نبي حتى خاتم الانبياء محمد فذكر اهل بيته عليهم السلام ودعاء لهم من الله بالرحمة والبركات حيث سيلقي الله تعالى البركة والرحمة في نسل محمد صلى الله عليه واله  في  اخر الزمان الذي سوف يكون منهم المهدي الذي سوف يملئها قسطا وعدلا والذي سوف يستخلفه الله تعالى على الارض بمعنى ادق ان نسل ابراهيم سيكون في قسمين القسم الاول من زوجته سارة عليها السلام وقد ذكرهم الله في اسحاق وذريته  من يعقوب حيث لا تنقطع النبوة فيهم والقسم الثاني من زوجته هاجر عليها السلام وهم ذرية ابراهيم من ابنه الذبيح اسماعيل عليه السلام الذين سيظهرون في زمن الخاتم وأهل بيته من ابنته الزهراء عليها السلام وسيجعل الله في نسلها البركات والرحمة  وهنا انقطع نسل  الانبياء من ظهر اسماعيل عليه السلام قرونا طويلة حيث غيبت النبوة حتى ظهور النبي الامجد وبعد ذلك سوف يكرر الامر مرة اخرى بتغييب الامامة حتى ظهورها وتمكينها  في اخر الزمان في اليوم الموعود ..

ولكن ما هي الحكمة وما هي العلة في ذكر اهل البيت عليهم السلام في سياق هذه الايات فنقول كما قال سماحة الاستاذ المحقق في تعليقه  على هذه القضية في نفس المحاضرة بقوله (ليس من شأننا، ليس من اختصاصنا، لماذا يخص الله أهل البيت؟ هل يوجد عاطفة؟ هل يوجد صلة قربى بين الله وبين هؤلاء؟ لا يوجد هذا. ما هي الحكمة؟ ما هي العلة؟ الله أعلم بها. أمر الله السجود لآدم، يجب أن نسجد لآدم. أمر الله إطاعة أهل البيت؛ محبة أهل البيت، نلتزم بهذا. لا نسأل كما سأل إبليس، لا نستفهم كما استفهم إبليس. هو أمر علينا أن نمتثل لهذا الأمر )   ..انتهى..

 وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)

في هذه الايات المباركة التي تتحدث عن شعيب النبي عليه السلام ومحاورته مع قومه الذين كفروا وكذبوا بما جاء به من عند ربه وفي تأويل هذه الايات ان شعيب عليه السلام دعا قومه الى عبادة الله تعالى الحي القيوم الذي هو بارئهم وخالقهم  وان يذروا الالهة التي يعبدون من دون الله التي لا تضر ولا تنفع  وكان قوم شعيب في سعة وغنى بالمال والخير الوفير ورخص الاسعار وان الله تعالى انعم عليهم بأنواع النعم وكانوا ينقصون الميزان ويعبثون في المكيال ليبخسوا الناس اشيائهم ويخسرونهم بالرغم من انهم ليسوا في حاجة ولا اضطرار الى استخدام هذه الاساليب الدنيئة والمحرمة لأنهم كانوا في خير ونعم ورخاء ورخص في الاسعار وحذرهم النبي من انهم لو استمروا ومكثوا على هذه الطريقة فانه يخشى عليهم من يوم عظيم محيط بهم أي ان هذا العذاب سوف يحيط بهم ولا يستثني فئة منهم مهما امتلكت من مال ونعم ونفوذ وسلطة او ان هذا العذاب محيط بهم قريب متوقع بأي ساعة يمكن ان يشملهم ويعمهم .. ثم دعاهم الى الوفاء بالمكيال وان يعدلوا في الميزان ولا ينقصوا ولا يخسروا ويبخسوا الناس اشيائهم في البيع والشراء ولا تطغوا ولا تسعوا في الارض مفسدين اشد الافساد ..  هذا الخطاب في الايات المباركة هي لقومه الكافرين الفاسدين والظالمين ولكن في سياق الاية بعدها قال لهم(بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين ) فما معنى قوله بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين والخطاب في الاصل موجه لقوم كافرين وفاسدين فلماذا خاطبهم وقال لهم ان كنتم مؤمنين فمن هو ( بقية الله  ) وهل الخطاب موجه لقومه ام ان هناك امر اخر او ان الاية انتقلت بالخطاب الى قوم اخرين سيأتون بعدهم فكما قال هود عليه السلام لقومه عاد (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( حيث قال لهم نبيهم هود ان الله سوف يستخلف قوما غيركم وشرحنا ذلك في الجزء السابق وقلنا ان الاستخلاف لقوم اخرين سيأتون في قادم الازمان فان النبي شعيب اخبر قومه ايضا كما اخبر هود قومه بأن ( بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين ) والبقية فيما تعني هو الخليفة الذي يدخره الله تعالى في اخر الزمان لتحقيق الوعد الالهي .. وقد اختلف المفسرون في معنى بقية الله وذهبوا في تفسيراتهم الى معان وتأويلات كثيرة وقد سجلها سماحة الاستاذ المحقق في هذه المحاضرة وأوضح فيها المعاني التي ذهب اليها المفسرون وأعطى سماحته الرأي الدقيق والصحيح والذي يقبله العقل وكل ذي قلب اوالقى السمع وهو شهيد .. فقال سماحته (الأولى: عن أي أيمان يتحدث نبي الله شعيب عليه السلام؟ (هذا الكلام وهذه الخطوة تتعلق بشعيب عليه السلام، ماذا قال شعيب؟ ما هو محور الحديث بين شعيب وبين قوم شعيب؟ ماذا ذكر القرآن بهذا الخصوص؟ قال الله سبحانه وتعالى: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)أقول: عن أي أيمان يتحدث نبي الله شعيب عليه السلام؟ فهل خفي عليه أمر قومه في الكفر والاستكبار والاستخفاف به وبالله تعالى وبكل ما جاء به من أحكام إلهية، بل وإصرارهم على إتباع وعبادة ما جاء به آباؤهم؟ هل يعلم بأنهم يملكون الإيمان؟ عندهم إيمان، يوجد احتمال للإيمان، أم كان كل ما عندهم هو استكبار في استكبار واستخفاف في استخفاف وظلم في ظلم وقبح في قبح وفساد في فساد، فعن أي إيمان يتحدث؟ كيف يتحدث عن الإيمان؟ كيف يحتمل فيهم الإيمان؟ كيف يجعل الإيمان شرطًا في الكلام؟ كيف يعلق الأثر على وجود الإيمان؟ أليس هذا من اللغو؟!! أليس هذا من اللغوية؟!! ويستحيل على الله اللغوية ويستحيل على النبي العاقل اللغوية، يستحيل اللغو على النبي، على الإمام، على المعصوم. فيترجح ويتوجه المعنى ويتم فيما إذا فرض وجود الإيمان عندهم فعلًا أو أنهم يدعون الإيمان فأراد عليه السلام الاحتجاج عليهم لكشف صدق وحقيقة الإيمان، أما مع عدم الإيمان أصلًا، (وكان عندهم العناد والاستكبار والظلم والقبح والاستخفاف) فلا معنى أو لا يرجح جدًا الإتيان بشرط (إن كنتم مؤمنين) ومن هنا اختلف العلماء في المراد من (بقية الله) وبعد تثبيتهم عمومًا صفة الإيمان لقوم شعيب فإنهم اختلفوا في معنى الإيمان بصورة عامة (ممن فسر هذه الآية، ممن ناقش هذه الآية، ممن استشهد بهذه الآية، ممن أول هذه الآية، بصورة عامة قالوا: هذه صفة الإيمان وثبت هذه الصفة لقوم شعيب، أي قوم؟ القوم الذين تحدث معهم، القوم كانوا مورد الخطاب؛ المشافهة، الخطاب بالمشافهة كان معهم، كان الخطاب موجهًا إليهم) ففي تفسير ابن الجوزي قوله تعالى: (بقية الله خير لكم) قال ابن الجوزي: فيه ثمانية أقوال: أحدها: والذي أبقى لكم الحلال ما أبقاه الله من حلال؛ أي ما أبقى الله لكم الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير من البخس، … قاله ابن عباس. ويقصد ببقية الله رزق الله خير لكم، أيضًا روي هذا عن ابن عباس، وقال به ابن سفيان. (القول الثالث) طاعة الله خير لكم (بقية الله أي طاعة الله)، قال به مجاهد والزجاج، (الرابع) بقية الله أي حظكم من الله خير لكم، يقول: قاله قتادة. (الخامس) رحمة الله خير لكم، قال ابن زيد. (السادس) بقية الله أي وصية الله خير لكم، قاله الربيع. (السابع) ثواب الله في الآخرة خير لكم، قاله مقاتل. (الثامن) مراقبة الله خير لكم، ذكره الفراء، وقرأ الحسن البصري (تقية الله خير لكم) … قال تعالى: (إن كنتم مؤمنين) شرط الإيمان في كونه خيرًا لهم لأنّهم إن كانوا مؤمنين بالله عز وجل عرفوا صحة ما يقول. (في تفسير بقية الله اختلفوا، اختلف القوم في معنى بقية الله، اختلف العلماء، اختلف أهل الفضل، اختلفت الرموز الدينية في معنى بقية الله، قسم قالوا ما أبقى الله لكم من الحلال، قسم قالوا رزق الله، وآخرون قالوا: طاعة الله، وغيرهم قالوا: حظكم من الله، وآخرون قالوا: رحمة الله، وبعض آخر قال: وصية الله، ومعنى آخر ثواب الله، ومعنى ثامن: مراقبة الله، ) ..

وسنكمل ان شاء الله في الجزء اللاحق المعنى والتأويل والاحتمال التاسع الذي شرحه وأثبته وأكد عليه السيد الاستاذ دام ظله …