لنتعلم من الإمام العسكري منهجية الحوار والنصيحة

لنتعلم من الإمام العسكري منهجية الحوار والنصيحة

بقلم: محمد جابر

الهدايةُ والإرشاد والنصيحة هدفُ الرسالات السماوية للأخذ بالإنسان نحو عالم السعادة والكمال في الدارين، وقد وضعت المنهج السليم من أجل تحقيق هذا الهدف النبيل، والذي تضمنته النصوص الشرعية في القرآن الكريم والسنة المطهرة منها:

قوله تبارك وتعالى:« ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»،( النحل: 125)،

قول الإمام زين العابدين، في رسالته رسالة الحقوق، حيث قال -عليه السلام-: «حقّ المستنصح أن تؤدّي إليه النصيحة، وليكن مذهبك الرحمة له والرفق به، وحقّ الناصح أن تليّن له جناحك، وتصغي إليه بسمعك، فإن أتى الصواب حمدت الله -عزّ وجلّ-، وإن لم يوافق رحمته، ولم تتّهمه وعلمت أنّه أخطأ، ولم تؤاخذه بذلك، إلّا أن يكون مستحقًّا للتهمة، فلا تعبأ بشيءٍ من أمره على حال».

النصان الشريفان-وغيرهما كثير- يُبينان المنهج الإلهي في الدعوة والحوار وتقديم النصح والإرشاد القائم على الحكمة والموعظة والمجادلة بالتي أحسن والرحمة والرفق واللين والتواضع وحسن الًاصغاء والإستماع من المقابل، وهذا يستلزم الابتعاد عن كل ما ينافي هذه الضوابط السليمة والسبل النبيلة التي هي انعكاس للأهداف والغايات السامية التي يتوخاها الشارع المقدس، وهو ذات المنهج الذي سار عليه الأنبياء والرسل والأئمة والمصلحون الذين لا يرجون في ذلك جزاءًا ولا شكورًا، قال تعالى: « وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّه »،(هود: 29)،« وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ »،(الشعراء: 109).

وهنا نذكر نموذجًا إلهيًا رساليًا في الحوار والنصيحة أفاض به على الوجود سليل دوحة الفكر والأخلاق والمنهج الإلهي الإمام الحسن العسكري-عليه السلام- ضمن منهجه الاصلاحي التربوي الذي سار عليه في مواجهة الانحراف الفكري والسلوكي والحركات والتيارات الضالة التي عاصرته سواء تلك التي انحرفت من مسار الإسلام أو غيرها التي تتبنى الزندقة والإلحاد.

فمن أهم النشاطات والحوارات العلمية التي قام بها الإمام الحسن العسكري-عليه السلام- هو الردّ الهادئ والحكيم لأكبر فتنة أوقد نارها الكندي ـ وهو أحد فلاسفة المسلمين ـ فإنّه كان قد جمع جملة من الآيات المتشابهة التي يبدو للناظر فيها أنها تنطوي على نوع من التناقض، وكان ينوي نشرها، وهذه المحاولة كانت تستهدف القرآن الكريم دستور المسلمين.

فقد دخل أحد تلامذة الكندي على الإمام الحسن العسكري فقال له له -عليه السلام-: أما فيكم رجل رشيد يردع استاذكم الكندي عمّا أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟

فقال التلميذ : نحن تلامذته كيف يجوز منّا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره ؟

فقال أبو محمد-عليه السلام- : أتؤدّي إليه ما ألقيه إليك ؟

قال : نعم .

قال الإمام-عليه السلام- : فصر إليه وتلطّف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله ، فإذا وقعت الأنسة في ذلك فقل : قد حضرتني مسألة أسألك عنها ; فإنّه يستدعي ذلك منك ، فقل له : إن أتاك هذا المتكلّم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلّم منه غير المعاني التي قد ظننتها أنّك ذهبت إليها ؟

فإنه سيقول لك : إنّه من الجائز ; لأنه رجل يفهم إذا سمع ، فإذا أوجب ذلك فقل له : فما يدريك لعلّه أراد غير الذي ذهبت أنت إليه ، فيكون واضعاً لغير معانيه .

ثمّ إن الرجل صار إلى الكندي ، ولمّا حصلت الأنسة ألقى عليه تلك المسألة فقال الكندي : أعد عليّ ، فتفكّر في نفسه ورأى ذلك محتملاً في اللغة وسائغاً في النظر .

فقال ـ الكندي ـ : أقسمت عليك إلاّ أخبرتني من أين لك ؟

فقال تلميذه : إنه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك ، فقال : كلاّ ما مثلك من اهتدى إلى هذا ، ولا من بلغ هذه المنزلة ، فعرّفني من أين لك هذا ؟

فقال : أمرني به أبو محمّد العسكري-عليه السلام-.

فقال : الآن جئت به ، ما كان ليخرج مثل هذا إلاّ من ذلك البيت ، ثم دعا بالنار وأحرق ما كان ألّفه.

لاحظ أسلوب الإمام- عليه السلام- في التعامل مع هذه القضية الخطيرة وصاحبها، فالإمام لم يصدر فتوى بتكفيره ولم يأمر بقتله أو سجنه أو تعذيبه أو… وإنما طلب من تلميذه أنْ يُحاوره وينصحه وقد وضع الإمام-عليه السلام- آلية الحوار وأجوائه ومادته مراعيًا في ذلك شخصية الكندي بكل جوانبها بما في ذلك النفسية فكانت النتيجة أن عاد الكندي إلى رشده ولم يعاند ولم يكابر ولم يتحول إلى عدو وهذه هي ثمار المنهج الشرعي العلمي الأخلاقي الإنساني في الحوار والنصيحة، بخلاف منهج التكفير والتطرف والعنف وإلغاء الآخر وفرض الآراء ولو بالقوة.

الأهداف والغايات النبيلة ووسائلها السليمة والتجرد من المصالحة الشخصية هي التي تثمر وتؤتي أكلها فالمصلح الواقعي والناصح الأمين الذي يريد هداية الآخرين يدفعه حرصه عليهم المنبثق من نيته الصادقة إلى استخدام الأسلوب الأمثل لإنقاذ الآخرين، فالقضية في تفكير المصلحين هو ليس غالب ومغلوب ولا خاضعة لنزعات نفسية أو مذهبية أو نفعية وإنما الهداية والإرشاد، ولذلك كان منهجهم فإني لكم من الناصحين…أدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن…لكم دينكم ولي دين… فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وليس التكفير والتطرف والعنف والسباب والطعن وإلصاق التهم كما يفعل التكفيريون الخوارج المارقة وأتباعهم الدواعش…

يقول المحقق الصرخي: « نحن نحتاج إلى الحوار، نحتاج إلى التمدن الأخلاقي الإسلامي، الحوار الإسلامي، المجادلة بالحسنى… نريد أن يحترم المقابل ما يطرحه الآخرون ، ما يطرحه الشيعة و غير الشيعة من صوفية و غيرهم و يكون النقاش ضمن الإطار و الطور النظري … ونحن لا نلزم أحداً بل نحترم اختيار المقابل و عليه أن يحترم الآخرين… لك رأيك ولي رأي واحترم رأيك وتحترم رأي، وندعو للتعايش السلمي بين الناس».