ما هو الضامن لنزاهة الانتخابات العراقية ؟

   يشهد العراق مطلع شهر أيار انتخابات برلمانية، لاختيار حكومته الرابعة المنتخبة منذ عام 2003، وهي إنتخابات تختلف في شكلها السياسي وطبيعة التحالفات والقوى المشاركة فيها، وكذلك الشعارات الانتخابية عما سبقها من الانتخابات الماضية، التي كانت تختلف في الشكل والمضمون، وهذا الأمر فرضته الطبيعة السياسية والاجتماعية للناخب العراقي، التي تختلف عن المراحل السابقة.

     إختلافات في الكتل والأحزاب والشعارات إنعكس تأثيره على الناخبين، وتغيرت معه المساحة الإنتخابية لهذه الكيانات، واختلفت الموازين المعهودة سابقا بين هذه الكتل، تشعرك إن العراق مقبل على الانتخابات الأولى في تاريخه، للتنافس الشديد بين الكيانات السياسية التي كانت أغلبها ضمن كتل موحدة، والحظوظ المتساوية لكل منها في الحصول على الأصوات، كون اغلبها يملك جمهورا متكافئا، وهو ما يجعلنا ندرك إن هذه الانتخابات، لن تكون فيها كتلة كبيرة تحصل على الأغلبية.

   وسط هذا التقارب في الموازين والتصارع الإنتخابي الشديد، الذي يحرص فيه الجميع على الصوت الواحد يمكنه من التفوق على منافسيه، ويبتدع الطرق المشروعة وربما غير المشروعة من اجل تحقيق الفوز، الذي سيكون تحت سلطة المفوضية العليا ” المستقلة ” للانتخابات، التي يفترض بها أن تحدد الضوابط القانونية للكيانات والمرشحين وحتى الناخبين، للسير بعملية ديمقراطية شفافة لا انحياز فيها ولا خروقات، تؤدي الى غلبة كيان أو مرشح على آخر.

   بغض النظر عما جرى في الانتخابات السابقة، وما رافقها من شبهات حول عمل المفوضية وانحيازها الى جهة سياسية معينة، كان ذلك واضحا من نسب الأصوات التي منحت لها في شمال بغداد الغارقة، واحتساب نتائج الكثير من الصناديق التالفة، أو رمي صناديق تعود غالبية الأصوات فيها الى كتل منافسة، وحجم الهدايا والمغريات التي قدمت لموظفين في المفوضية، كلها دلائل تشير الى عدم حيادية المفوضية في الانتخابات السابقة، وان المعترضين على النتائج لا يملكون حول ولا قوة في الاعتراض عليها، كونها محمية قانونيا.

   لذلك كان الصراع على أشده من اجل تغيير مفوضية الانتخابات، والإتيان بإدارة جديدة حريصة على نزاهة الانتخابات وإدارتها بصورة صحيحة، ولكن يبدو إن هذه الإدارة أيضا أتت من كتل وأحزاب، يميل كل منهم الى جهته الحزبية، ما يثير تساؤلا مهما عن مدى حياديتها واستقلالها وإدارتها للإنتخابات بصورة شفافة ونزيهة، بعيدة عن التدخلات الحزبية التي ستحاول التأثر عليها بأي صورة كانت، ومحاولة التلاعب بأصوات الناخبين ومصادرة قرارهم في الاختيار، الذي سيختلف هذه المرة عن الخيارات السابقة.

   على ما يبدو أن الإدارة الجديدة لمفوضية الانتخابات لن تختلف عن سابقتها، وستبقى علامات الاستفهام تحيط بإستقلالها، فلقد كان واضحا في قرعة أرقام الكيانات السياسية، أن المفوضية ليست محايدة في العلن، فكيف تكون في السر؟ فمحاولة إعادة القرعة بدعوى نسيان احد الكيانات وعدم إدخاله القرعة، كانت لعبة مكشوفة من اجل إعادتها، وقيام احد موظفي المفوضية بالتأشير على الكرات في صندوق القرعة لأحد ممثلي الكيانات، ورود معلومات عن قيام المفوضية، بحملة تنقلات داخلية لصالح كيانات محددة، كلها تجعلنا نضع علامات استفهام كثيرة، عن عمل المفوضية الحالية.

   الجميع يتفق إن هذه الانتخابات تختلف عن سابقاتها، كونها ستنتقل بالعراق من مرحلة ممارسة الديمقراطية التي تثبيتها، ولها الدور الأكبر في إرساء قواعد النظام الديمقراطي في العراق للسنين القادمة، وهذا لن يتحقق إلا بمفوضية حريصة على أصوات الناخبين وعدم ضياعها أو المتاجرة فيها، وتتحمل المسؤولية الكاملة في أن يكون العراق آمنا مستقرا أو تعمه الفوضى.