محاسبة النفس وتهذيب الفكر

إن الثوابت الإسلامية العقائدية والفكرية هي الجامع والعنوان الذي يتوحد تحته المؤمنين، وكل الرؤى والأفكار والأخلاق السلمية تصب في نفس المصب كونه المحور الذي تدور حوله أعمالهم وإنَّ سعي الإنسان الفاعل والمؤثر والإيجابيّ في فعل الخير والصلاح ونشر الروح الإنسانية وتطبيقًا للفكر والمنهج الوسطي الذي فيه أصل البر والآمان والسلام والتعايش مع الآخرين.
لذلك فإن مبدأ محاسبة النفس وعدم وقوعها في المنزلقات والمخاطر وتهذيب الفكر من الإنحراف والشذوذ هو لاشك يدخل في تطبيق الفرد للإيمان بالله تعالى والتقوى والعمل الصالح ولا جدوى من محاسبة النفس دون أداء الفرائض وتطبيق وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنها مكملة لتلك السلسلة الوظيفية المقدسة.
حيث يقول أمير المؤمنين عليّ -عليه السلام- (حاسبوا أنفسكُم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوها قبل أن توزنوا، حاسبوا أنفسكم بأعمالها، وطالبوها بأداء الفروض عليها والأخذ من فنائها لبقائها..). ويقول تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}[الشّمس: [9].
فجعل الله –تعالى- فلاح الإنسان وصلاحه هو من خلال تزكيته للنفس والعمل على تطهيرها في توجيهها للقيم الروحية والأخلاقية والتربوية ّ، ويدخل في ذلك الدراسة الموضوعية المعمقة لإزالة الشوائب والشبهات والموضوعات التي تؤثر بالواقع التأريخيّ المنحرف ومن أجل تنقية الموروثات الدينية التي تسببت في إنحلال وإنحطاط المجتمع الإسلامي وتأثير الرياح الفكرية الشاذة على المستوى الذهني الضعيف للفرد، وعلى النّفس أن تتجرد من ذلك كلّه بالمراقبة والمحاسبة والمجاهدة والتفكر في كل صغيرة وكبيرة قبل أن يجعل العقل يستسلم لإرادة قوى العاطفة والهوى النفسي، فمحاسبة النفس لاشك أنها ضرورة من ضروريات الإيمان بالله وتطبيق شريعته السمحاء التي تسعى الى الإرتقاء وورفع المستوى الفكري والايماني للفرد المسلم.
لقد آن الأوان أن يعود الإنسان إلى رشده وفرض سلطة عقله و كلّ واحد منّا عليه أن يحاسب نفسه ويلومها ويزكيها ويطهرها من الشوائب الفكرية التي تدمر حياة الإنسان كلّ يوم، فقبل فوات الأوان نذكركم بقوله -تعالى- وعسى ان تنفعكم الذكرى يقول -جل وعلا- {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}[الصافّات:24].
وقد أشار لهذا المعنى السيد الأستاذ العارف الصرخي الحسني -دام ظله- في مقتبس توعوي من المنهج الرسالي قائلا فيه :
( نحتاج إلى مراجعة للنفس وتهذيب الفكر وإعادة قراءة التأريخ بإنصاف وحكمة حتّى نتعظ مما حصل وتقترب الأفكار والنفوس وتتحد تحت عنوان جامع يرجع إلى ثوابت الإسلام ومبادئ الإنسان والأخلاق).

حبيب غضيب العتابي