مؤتمر الكويت حشد الدعم الدولي للمشاركة بالنهوض بواقع العراق

مهزلة وذلة وانعدام شرف وغيرة لساستنا الفاسده والحراميه

للفترة من 12– 14 من الشهر الجاري عُقد في الكويت مؤتمر إعادة إعمار العراق. كان الهدف المعلن هو حشد الدعم الدولي للمشاركة بالنهوض بالواقع المرير الذي خلفته العمليات العسكرية، التي استهدفت إعادة السيطرة على المدن التي استولى عليها تنظيم «الدولة». لكن السؤال الأهم الذي طُرح في أروقة المؤتمر، همساً وعلناً بعض المرات، هو: هل إن المؤتمر فرصة جديدة لتغذية جيوب الفاسدين في السلطة العراقية وأحزابها؟ أم أنه فرصة حقيقية للنهوض بالعراق؟

 بدلا من المطالبة ممن دمر وخرب العراق وقتل وشرد أهله وهي أمريكا بأن تدفع مئات المليارات تذهب الحكومة العراقية لأستجداء حلفاء أمريكا,بعد رفض أمريكا المشاركة, الذين ساهموا بنهب وتخريب العراق ولترهن ثرواته عندهم لعشرات السنين القادمة بحجة إعادة الإعمار .بإختصار شديد تطلب الحكومة العراقية من هذه الدول ,,المحسنة,,مبلغ 88 مليار دولار تقدم على مدى عشرة سنوات أي 8,8مليارات سنويا ,فهل لايستطيع العراق حقا توفير هذا المبلغ ويتفادي هذه الذلة المفروضة عليه؟بحسبة بسيطة لمدخول العراق السنوي من النفط سيرى القارئ أن العراق قادر على الخروج من المحنة الجديدة مرفوع الرأس ويستطيع بالموازاة وبنفس الوقت ملاحقة أمريكا وحلفائها ومنعهم من الإفلات من دفع تعويضات تسببهم بخراب العراق, ذلك أن طلب مشاركتهم بإعمار العراق يجعل من هؤلاء المجرمين محسنين من خلال المؤتمر الذي يعقد في الكويت فيخلصهم ويعفيهم من دفع تلك التعويضات التي تصل لعشرات المئات من الميارات وليس ل88 مليار فقط ,وهذا عدا مسائلتهم عن التعويضات عن الأضرار المعنوية التي لحقت بالعراقيين .حسبة بسيطة تظهر أن مدخول العراق السنوي من إيرادات النفط وخصوصا بعد إستعادة معظم حقول نفط كركوك والشمال تصل في الوقت الحاظر الى أكثر من ستة وثمانون مليار دولار سنويا بمعدل ضخ ما يقارب من أربعة ملايين برميل يوميا وبسعر ستين دولار للبرميل ,والأسعار ماضية ترتفع يوما بعد يوم بل هي وصلت لسبعين دولار في يومنا هذا .المعلوم أن العراق سيرفع من إنتاجه النفطي ليصل الى سبعة ملايين برميل يوميا في أقرب منظور حسب كل الخبراء وهذا سيعني 176,400000مليار دولار سنويا.هل العراق غير قادر على توفير 8,8 مليارات سنويا من مجموع أكثر من مائة وستة وسبعين مليار دولار خلال العشرة سنوات القادمة؟ونزيد بأننا حتى لو كنا أقل تفائلا وتوقعنا رقما يصل في السنوات القادمة لنفس مستوى السنوات التي سبقت نزول الأسعار المؤقت أي دخل مائة مليار دولار سنويا لأستطعنا ذلك, وخصوصا بعد إنخفاض الجهد العسكري بهزيمة داعش والأنفصاليين وإستعادة كركوك؟؟نعم أن العراق لقادر على ذلك وأبنائه الغيارى قادرين أيضا على ملاحقة الذين أعتدوا عليهم وعلى أرضهم غدرا وعدوانا أمام القضاء الدولي وتغريمهم كل المستحقات المادية والمعنوية
هنالك تساؤلين مهمين
الأول ,لمذا تم التعجيل بالبدأ بهذا المؤتمر قبيل الأنتخابات العراقية في خضم حالة التنافس بين المرشحين بما للقرارات المتخذه في هذا المؤتمر من تأثير في الضغط على المتنافسين سلبا أو موجبا؟أو بعبارة أكثر صراحة ,إن هذا التوقيت يهدف لكسب المتنافسين للموافقة على شروط الدول المانحة بالدعم السياسي والمادي سيرا على مبدأ الفساد الأساسي شيلني وأشيلك
الثاني,هل ستناقش الحكومة وعلنا أمام البرلمان والرأي العام القرارات التي ستتخذ بخصوص إعادة الأعمار وما هي إلتزامات الحكومة العراقية مقابل ذلك وما هي تعهدات الدول المانحة نقطة نقطة وبالتفصيل وأثر ذلك على سيادة الدولة العراقية وقرارها السياسي والأقتصادي والعسكري المستقبلي ,كالتواجد العسكري بحجة حماية الشركات والمصالح الأجنبية مثلا,وكل مايتعلق بالموضوع بوضع لائحة شروط يقدمها خبراء عرافيون في الأقتصاد والسياسة والقانون الدولي والتجاري وغيرها لضمان مستقبل العراق والتأكد من عدم وضعه تحت طائلة إلتزامات مستقبلية تقيد حريته على كل الأصعدة وترهن إقتصاده أو ترابه أو أجوائه أو مياهه أو سياسته لجهة أجنبية أو شركة أو مجموعة شركات تتخذ غطاءا عراقيا لنشاطها وتخدم طرفا أجنبيا ما

من المؤسف حقا أن يكون هنالك مؤتمر لمانحين دوليين، يُعقد من أجل دولة تُعتبر من أغنى الدول على الكرة الأرضية، فقد اجتمعت فيها كل عناصر الثروة من نفط وغاز ونهرين عظيمين، وثروة بشرية فيها الشباب يشكلون نسبة عالية من مجموع السكان. وقد كانت يوما ما تفتح خزائنها للأشقاء والأصدقاء في إفريقيا ودول العالم الثالث الأخرى، حتى ما زالت مساعداتها المادية ماثلة للعيان في موريتانيا واليمن ومصر والأردن وجيبوتي والصومال وغيرها. لكن آفة الأعوان الفاسدين الذين أتى بهم الغزاة على رأس السلطة في البلاد، لم تٌبقِ فيها حجرا على حجر، وتحولوا بين ليلة وضحاها من أشخاص يعيشون على المعونات الاجتماعية التي كانت تقدمها لهم دول اللجوء، إلى رجال أعمال يمتلكون كل شيء. وهذا هو السبب الحقيقي الذي دفع 76 دولة ومنظمة إقليمية ودولية، و511 صندوقا ومؤسسة مالية، و107 منظمات غير حكومية، و1850 ممثلا من القطاع الخاص، بألا يجودوا للعراق في هذا المؤتمر سوى بـ33 مليار دولار، تبين أن القسط الأكبر منها قروض تضاف الى المديونية التي ينوء تحت ثقلها العراق، بل حتى هذا المبلغ هو مجرد تعهدات قد تفي بها الدول وقد تخل بتعهداتها، كما حدث في مؤتمرات المانحين التي عقدت من أجل العراق في باريس ومدريد وأمريكا في سنين خلت، ولم  تحصل بغداد على شيء منها إلا النزر القليل

لقد ضغطت الولايات المتحدة الأمريكية على الدول الدائنة للعراق لإطفاء ديونه بعد الغزو، لتحسين صورتها القبيحة وفعلها اللاقانوني أمام العراقيين، وتم إطفاء نسبة 90 في المئة من تلك الديون. كما رُفع الحصار الاقتصادي عنه وفُتحت كل أبواب التجارة معه. لكن العراقيين اكتشفوا أن مفردات البطاقة التموينية عالية الجودة، التي كانوا يحصلون عليها تحت الحصار قد فُقدت، وأن الخدمات الصحية اندثرت، وأن الادوية والمستلزمات الطبية من المناشئ العالمية استبدلت بالصيني والهندي والإيراني، التي لم تكن معروفة لنا إطلاقا. وأن الماء والكهرباء والخدمات الأخرى التي تمت إعادة إعمارها بعد عدوان عام 1991 في ستة أشهر، لم تستطع كل الدول العظمى التي احتلت العراق أن تعيدها إلى سابق طاقتها، وما زال العراقيون حتى اليوم يعانون من شحة الماء والكهرباء، وتعطل الخدمات الأساسية الأخرى. وقد لا تعجب البعض هذه المقارنة، لكنها صوت الشارع العراقي، الذي من يتابع قنواته الفضائية يجد فيها حالة المقارنة ما بين اليوم والأمس، هي مقياس الحياة اليومية للناس. فالتغيير يعني الانتقال من حالة الى أخرى متقدمة عما سبقتها، لكن يقينا لا أحد يستطيع أن يقول بأن الغزو والاحتلال هما حالة تغيير، لان ما حصل في العراق هو فعل بعيد كل البعد عن حالة التغيير.

يقول بعض المسؤولين العراقيين بأن حاجة العراق الفعلية لإعادة الإعمار تبلغ ما يقارب الـ88 مليار دولار، بينما يقول الخبراء بأنه بحاجة الى أكثر من 300 مليار دولار. وعندما تقول منظمة الشفافية الدولية بأن العراق واحد من أفسد عشر دول في العالم، ويقول البنك الدولي بأن 600 مليار دولار سُرقت من خزينة الدولة في عهد رئيس الوزراء السابق، وتقول اللجنة المالية في البرلمان العراقي إنه خسر 360 مليار دولار بسبب عمليات غسيل أموال وفساد، أي نحن أمام مبلغ مهول يبلغ ما يقارب 1000 مليار دولار، سُرق، فهل توجد دولة قادرة على المجازفة في تقديم مُنحة للعراق بعد الآن؟ وهل يستطيع سياسي أوروبي أن يُجازف بمستقبله السياسي فيمنح الضرائب التي يدفعها مواطنوه الى جيوب السراق والفاسدين؟ صحيح أن العدد الكبير من الدول والمنظمات والقطاع الخاص قد شارك في المؤتمر، لكن الكثير منهم شاركوا لحسابات سياسية واقتصادية أخرى تخصهم ولا تخص العراق. كما أن البعض منهم حضر لمعرفة ما يمكن أن يقدمه الجانب العراقي من ضمانات وإجراءات تساعد على وصول الأموال الى اتجاهاتها الصحيحة. ولان الفساد خيّم على المؤتمر، وتبين أن إجراءات الحكومة غير فعالة، فقد رفض وتريث الكثير في اتخاذ قرار المساهمة في إعمار البلد. لذا جاءت النتائج مخيبة لآمال الكثير من الخبراء والمختصين. وحدها الحكومة هي من اعتبرت الـ33 مليار دولار نصرا مؤزرا لها، واعترافا دوليا بسلطتها. ويمكن فهم ذلك في إطار محاولة استثمار كل شيء حتى لو كان خاسرا في الحملة الانتخابية الجارية الآن.

قد يرى البعض أن الـ33 مليار دولار تعني شيئا كبيرا. نعم يمكن أن تكون كذلك لبلد ليس بمساحة وتعداد نفوس العراق، وبمقدار الضرر والتدمير الذي أتى على كل شيء فيه. لقد دُمرت الموصل عن بكرة أبيها، والانبار وصلاح الدين وديالى، وتعاني محافظاته الوسطى والجنوبية من شحة مياه الزراعة، بعد أن تحول النهران العظيمان الى مجرد جداول صغيرة لا تغطي مياهها حاجة الشرب. كما بلغ عدد النازحين عن ديارهم المدمرة مليونين ونصف المليون إنسان. ونسبة العيش تحت خط الفقر وصلت في عموم العراق إلى 23 في المئة، وفي المحافظات المدمرة الى نسبة 40 في المئة.

إن الفرص الاستثمارية الهائلة التي توجد في البلد، خصوصا في مجال البنية التحتية، وحالة الكساد العالمي الذي تعانيه الدول والشركات، كان يفترض أن تكونا دافعا قويا للدخول للساحة العراقية، لكن العكس هو الذي يحصل اليوم. والسبب في ذلك هو إن الظروف السياسية والأمنية والتشريعية كلها طاردة للاستثمار. فتعاظم الدور الايراني في العراق يتعارض ومصالح دول أخرى تريد المساهمة في الإعمار، والانفلات الأمني والابتزاز اللذان تعرضت لهما شركات كثيرة دفع غيرها للإحجام عن دخول هذه السوق. كما أن التشريعات القانونية التي تحمي المستثمر غير كافية لصعوبة التطبيق على أرض الواقع. وإزاء هذا الواقع المرير فإن الحل يكمن في عدة اتجاهات. أولا، قيام الدول المانحة والمستثمرة بتنفيذ المشاريع بنفسها من خلال شركاتها الخاصة. وقد علقت تلك الدول على هذه الصيغة بأنها أيضا غير مضمونة، لأن العصابات التي تتكلم باسم الدولة والاحزاب ستساومها وتبتز موظفيها الأجانب. أما الخيار الثاني فهو إنشاء حكومة إلكترونية تتيح إمكانية المراقبة الآنية للإيرادات والنفقات، وسترفض السلطات هذه الصيغة بحجة الانتقاص من السيادة. أما الخيار الأخير، فهو عودة الأمم المتحدة الى برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء، وأن تتولى هي بنفسها السيطرة على الاموال العراقية من مبيعات النفط، وإنفاقها في الجوانب الخدمية والتطويرية الزراعية والصناعية.

لا شك في صحة مقولة ( ان الامور بخواتيمها ) ، ولكن في العراق حيث بلد اللامعقول واللامنطق ، نحتاج الى تعديلها الى ما يناسب الواقع السياسي العراقي ، فتصح المقولة الجديدة ايضا ان ( الامور بمقدماتها ) ، وبالرغم من انتظارنا لختام مؤتمر الكويت وما ستؤول نتائجه ، ليتسنى لنا قياس نجاحه في تحقيق متطلبات وتطلعات العراق ، الا ان نتائجه كانت جزاءً وفاقاً لمقدماته البائسة التي سوف نعرّج عليها في ختام المقال ، حيث خرج المؤتمر بمبلغ الثلاثون مليار دولار بشكل قروض واستثمارات وأئتمانات ، 

واذا استبعدنا نظرية المؤامرة رعاية للمشككين ، ومجاراةً للمتحسسين ، فأن صراع الارادات وتحالفات المصالح لا يمكن ان نعدوه ونتجاوزه في الحسابات ، ولا يمكن انكار دوره فيما لدينا من هواجس ومخاوف ، وقد اثبتت مناقشات المؤتمر وحوراته العلنية والسرية ، اثبتت ان الدعم الدولي والاقليمي المزعوم مجرد كلام ، وضرب من الاوهام والاحلام ، وحشود مصطلحات وافواه وجماجم ، وعهود ووعود بالدفع الآجل ، وقروض مع فروض وضغوط مع شروط ، سياسية واقتصادية واجتماعية ، واعتبار المؤتمر فرصة كبيرة للانفتاح الاقتصادي بالاستثمار ، والحال انه حالة من الانكشاف للابتزاز السياسي وللاختراق السيادي والاقتصادي بالاحتكار ، والاقتصار على شركات فتية وربما مفلسة بدون خبرات ولنفس الدول المساهمة ، ليكون العراق حقل تجارب وسوق حر ومفتوح على الآخر لها ، 

ويذكرنا هذا المؤتمر بما كان يسمى ( بمؤتمرات القمة الاقتصادية ) التي ابتدعها الغرب والقوى الدولية العظمى  في سبيل تمرير اجندات ، والتغطية على مشاريع سياسية بعناوين اقتصادية ومنها التطبيع مع الكيان الصهيوني ، خشية إثارة الرأي العام والجماهير ، واستخدام اساليب التدليس والتزويق والتهويل والمبالغة والضجيج الاعلامي لخلق اجواء القبول لمخرجات القمم والمؤتمرات ، وهذا المؤتمر لا يختلف كثيرا عنها فكان توقيته وبياناته ومخرجاته تعبير عن هذه الحقائق التي ستكبل الاقتصاد العراقي وتضرب على حركته قيود واغلال وتجعله اسيراً لسياسات هذه الدول ، ولنا في ذلك تجارب معاصرة لا زلنا ندفع ثمنها باهضاً، لقد كان في ذهاب المسؤولين العراقيين افواجاً مهرعين ومسرعين الى المؤتمر اهانة كبيرة لتاريخ العراق وحضارته وحاضره ومستقبله ، واعطت صورة عن مدى تفرقهم وتفردهم وحالة الضياع وانعدام الثقة التي يعيشونها ، وسعيهم الحثيث نحو المصالح والمكاسب الشخصية او الحزبية او الفئوية الضيقة  ، كما كانت استهانة بقدراتهم وطاقاتهم وامكاناتهم ، 

نحن بحاجة الى مجلس للبناء والاعمار على غرار ما كان في اواخر العهد الملكي وبدايات العهد الجمهوري ، ياخذ على عاتقه وضع خطة للتنمية ، وبرامج لانعاش الاقتصاد وتنويعه ، بعد ان يعيد حسابات الموارد والطاقات والامكانات ، وضمان الكفاءة في الادارة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وتحقيق الاستقرار السياسي والتوازن الاجتماعي ، وان يدرك الجميع ان الحلول التي تأتي من الخارج ليست مجانية ، وان الحل الذاتي هو الافضل دائما ، وبامكان المجتمع ان يستثمر الانتصارات في معاركه الوجودية ليعيد صياغة مستقبله ، ويحقق تطلعاته في بناء دولة مؤسسات عميقة بدلا من دولة افراد وجماعات وملل ونحل كل يدعي انه مستودع الحكمة الاكبر وانه البداية والنهاية وان لديه فصل الخطاب وحسن المآب ، وغير ذلك فأننا نسير او نندفع نحو الهاوية