نهضة الإمام الصادق الفكرية ..المحقق الصرخي إمتدادًا.

نهضة الإمام الصادق الفكرية ..المحقق الصرخي إمتدادًا.
تعتبر المرحلة التي عاشها الإمام الصادق -عليه السلام-، من أدق وأخطر المراحل التي مرت بها الأمة الإسلامية، في نواحيها السياسية والفكرية والاجتماعية وغيرها، فكان -عليه السلام- أمام مهمة كبيرة، تتمثل في تصحيح مسار الأمة الإسلامية، والعودة بها إلى خط الإسلام الإلهي، من خلال إعادة صياغة ذهنيتها وتهذيبها من الأوهام والأفكار والعقائد الفاسدة التي خالطتها أثر السياسة الخاطئة التي مارستها دولة بني أميّة،
فكانت الأولوية في نظر الإمام -عليه السلام- تقتضي القيام بنهضة توعوية فكرية، وهذا لايعني إهمال بقية الجوانب، وخصوصًا السياسية منها، بل إنه -عليه السلام- كانت له رؤى ومواقف ، تؤكد حضوره ودوره البارز في الإفصاح عن الرؤية الإسلامية في السياسة والحكم، وأيضًا رفضه للظلم والظالمين والحث على عدم الرجوع إليهم…
انطلق الإمام -عليه السلام- ليؤسس أكبر جامعة علمية فكرية توعوية غير خاضعة لتأثيرات السياسة والحكام، شاملة للعلوم الدينية وغيرها كالفلك والطبّ، والحيوان، والنبات، والكيمياء والفيزياء، استوعبت جميع المسلمين، بل حتى غيرهم، فكانت أبوابها مشرعة للجميع، وقد تميزت بالاعتدال والوسطية، وإعطاء الطالب حرية التعبير والسؤال والمناقشة والاختيار، فكانت بحق فتحًا علميًا في كل الميادين، وقبلة يقصدها الباحثون على العلم والمعرفة، وقد تخرج منها الآلاف من الطلبة وكبار العلماء وفي مقدمتهم أئمة المذاهب الإسلامية،
فضلًا عن تصديه بالفكر والعلم للحركات والتيارات والاتجاهات والعقائد المنحرفة البعيدة عن تعاليم الإسلام والقيم الإنسانية، التي انتشرت بين صفوف المسلمين، فخاض مناظرات علمية مع الملاحدة والزنادقة أمثال ابن المقفع وابن أبي العوجاء والدّيصانيّ بإسلوب مرن، رساليّ رصين، وصدر رحب، أدحض بها حججهم، وفنّد آراءهم وأثار في نفوسهم الثِّقة والاحترام له،
على هذا النهج المقدس سار الأستاذ المحقق الصرخي في مسيرته المرجعية الرسالية الصادقة التي قُدِّرَ لها أنْ تعيش مرحلة مشابهة للمرحلة التي عاشتها قيادة الإمام الصادق -عليه السلام-، فمما تميزت به منهجية الصرخي هو التمسك بالعلم والمنهج العلمي في معالجة قضايا الأمة، بل والإنسانية أجمع، وتأكيده وحثه على ضرورة أن يتسلح الإنسان بالعلم والفكر والدليل، من أجل بناء الفرد والمجتمعات والأوطان، واعتبرها أساس لبناء الشعوب وعمارة الأوطان حيث قال:«لا تبنى الأمم بقوة السيف والبطش والقمع والإرهاب والرشا والإعلام الزائف والمكر والخداع.. بل بالفكر والمجادلة بالحسنى وبالإنسانية والرحمة والأخلاق»، انتهى المقتبس،
ورفض كل مظاهر الجهل والتخلف والخرافة والصنمية، فكانت أبواب الدرس والتدريس مفتوحة على مصراعيها للجميع، حتى على مستوى العلوم الأكاديمية فقد ألزم المكلف بمواصلة الدراسة الأكاديمية، فمن انقطع عنها ألزمه بالعودة إليها، ومن توقف عند مرحلة معينة ألزمه، بإكمال المسيرة ونيل الشهادات العليا كالماستر والدكتوراه…
متخذًا من الإعتدال والوسطية أسلوبًا ومنهجًا- نظريًا وعمليًا- فأثرى الساحة بعلومه الدينية وغيرها، فضلًا عن تصديه الفكري بالدليل العلمي الشرعي الأخلاقي للتيارات والحركات والدعاوى والعقائد الفاسدة البعيدة عن الإسلام الإلهي والقيم الإنسانية، كدعاوى المهدوية بكل تنوعاتها، وغيرها من الدعاوى الباطلة والتي لا تستند إلى الدليل والبرهان، وصولًا إلى المواجهة الفكرية التي أثبت من خلالها بطلان الفكر التكفيري التيمي ومخالفته الصريحة الواضحة للدين والقرآن والسنة النبوية المطهرة وسيرة أئمة أهل البيت والصحابة وللقيم والثوابت الإنسانية،
وبنفس المنهجية والتميز كانت ولاتزال مرجعية المحقق الصرخي حاضرة في الجوانب الأخرى كالسياسية والاجتماعية وغيرها يشخص ويحلل ويعطي الحلول، والتي أثبت الواقع صحت وتمامية ما طرحه من تشخيصات وحلول ومبادرات وما تبناه من مواقف رافضة للظلم والفساد والتطرف والغلو، مهما كان انتماؤه الديني أو المذهبي أو الأيديولوجي، وهي جميعها مثبتة وموثقة…
فكانت مرجعية نادرة سلاحها العلم والإعتدال والوسطية، والإستقلالية وعدم التأثر بوسائل الترغيب والترهيب التي مورست معها، لغرض تسييسها أو توظيفها أو امتطائها، وبذلك شكلت امتدادًا حقيقيًا صادقًا لمنهجية الإمام الصادق -عليه السلام-، نالت إعجاب واهتمام ومتابعة العلماء والأساتذة والمفكرين والنخب وبقية الشرائح من كافة الانتماءات والتوجهات في الداخل والخارج…
بقلم: احمد الدراجي