يا هاديًا بالعلم يا ابن الرسول الأكرم، أنت الإمام القدوة والعدالة والسلم

يا هاديًا بالعلم يا ابن الرسول الأكرم، أنت الإمام القدوة والعدالة والسلم

بقلم ناصر احمد سعيد

إنّ البحث في سيرة أئمة أهل البيت (عليهم‌السلام) وتاريخهم يسهم في تأصيل الوعي الرسالي في ضمير الاُمّة، وتصحيح مسار الرسالة من حالات الانحراف الفكري؛ لأنهم قادة الرسالة والقدوة الحسنة المتميزة بخصائص العظمة والاستقامة، وهم الامتداد الواقعي لنهج النبوة وسيرتها المعطاء، وهم الحُماة الاُمناء لمفاهيم الرسالة وعقائدها من حالة التردي والتحريف والضلال. وعلى الرغم من إقصاء وتغييب رموز القدوة الحسنة عن التواصل مع حياة الاُمّة السياسية والاجتماعية وملاحقتها وعزلها عن قواعدها، فقد تمسكت بهم غالبية الاُمّة ومنحتهم مظاهر الودّ والثقة، لما لمسته من سيرتهم الغنية بالعطاء ودورهم المشرف في جميع المستويات. وفي عهد الامام الهادي (عليه‌السلام) تصدى الخلفاء العباسيون – كالعادة – لمدرسة الأئمّة عليهم‌السلام وشيعتهم، فطوقوا الإمام بحصار شديد ورقابة صارمة، وتربصوا به وبأصحابه، حتى إنه يمكن القول إن هذه الفترة من أشد فترات التاريخ وأكثرها ضراوةً وعنتاً على الامام الهادي عليه‌السلام وأصحابه، بسبب الحقد السافر الذي يكنّه المتوكل لأهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهو الذي حرث قبر الامام الحسين عليه‌السلام وعفاه، ووضع المسالح حوله ليمنع من زيارته، وقرّب في بلاطه الحاقدين ممن يدينون بالنصب، وفرض على الامام (عليه‌السلام) أقصى حالات العزل والاقصاء، حيث استدعاه إلى عاصمة بلاطه في رحلة مضنية من المدينة المنورة إلى سامراء، ليكون محجوزا ومراقبا ومعزولاً عن قاعدته العريضة في المدينة المنورة وعن أداء دوره الرسالي في أوساط الاُمّة. ورغم ضيق هامش الحرية المتاحة للإمام الهادي( عليه‌السلام) وفي حدود فسحة ضيقة محكومة بالرقابة والقسوة، سجّل عليه‌السلام رصيداً علمياً وعطاءً معرفياً واسعاً، وأسهم في أداء دوره الرسالي، وقدّم عطاءات جادة على طريق الدفاع عن أصول الدين ونشر فروعه، وإيصال سنن جده المصطفى وآبائه الكرام عليهم‌السلام إلى قطاعات واسعة من الاُمّة، فضلاً عن مقاومة مظاهر البدع والانحراف، فكان علماً للحق ومرجعاً للدين تهرع إليه الاُمّة حيثما أشكلت مسألة وكلما استجدت أخرى فيوجهها نحو الاصول الحقيقية للشريعة المقدسة. ولعل أهم ما يستوقف الباحث في حياة الإمام الهادي هو أنه أُسند إليه منصب الامامة بكل ما يتطلبه من احاطة تامة بعلم الشريعة وأحكامها بعد شهادة أبيه عليه‌السلام وهو في سن الثامنة من عمره الشريف، وتلك ظاهرة نجدها لأول مرّة في تاريخ أهل البيت (عليهم‌السلام )متمثلة بأبيه الامام الجواد وثانياً بالامام الهادي وثالثاً بالامام الحجة المهدي المذخور لاقامة دولة الحق (عليهم‌السلام )، وهو أمر لا يصدق على سائر الناس، ولا يقع في دائرة الإمكان الا لمن كان محاطاً بعناية إلهية خاصة، وواقعاً ضمن دائرة الاصطفاء الالهي التي جعلت عيسى بن مريم يتكلم وهو في المهد ويتولى مهام النبوة وهو في السابعة من عمره، وجعلت يحيى بن زكريا نبياً وهو في بواكير الصبا ولقد ثبت من سيرته أنه كان أعلم أهل زمانه وأرجحهم كفة بلا خلاف… شأنه في ذلك شأن سائر الأئمّة المعصومين (عليهم‌السلام )، وتسالم العلماء والفقهاء على الرجوع إلى رأيه في المسائل المعقدة والغامضة من أحكام الشريعة والعقيدة الاسلامية، حتى إن المتوكل العباسي وهو ألدّ أعدائه كان يرجع إلى رأيه في المسائل التي اختلف فيها علماء عصره، فيقدّم رأيه على آرائهم، وكانوا يرجعون إليه في كل معضلة، ويلجأون إليه في كل مأزق، وأذعن سائر من ناظره من العلماء المعاصرين له بتفوقه العلمى. ومن هنا كان لانصار المحقق الاستاذ الصرخي الدور الكبير في اعطاء عزاء الشور والبندرية الاهمية الكبيرة لاحياء وفاة الامام الهادي ( عليه السلام ) وهذا مقتبس من كلامهم : يا هاديًا بالعلم يا بن الرسول الأكرم، أنت الإمام القدوة والعدالة والسلم، الوقار والهيبة شيمتك ووصفك صاحب الكرم، آثار النبوّة تجلّت بك، فالكلّ يشهد بها وآمن وسلّم، بشراكَ سيدي، مقامك شامخ في العلى لأنك السيّد الحسن الكلام وفيك فصاحة الكلم، فيا ليتنا كنّا معكَ سيدي فنحظى بتلك المعارف التي يندى بها لسانك الفصيح الأشمّ، يا علي بن الجواد يا أبا العسكري يا من تشرفتَ فأصبح الحفيد لك المهدي المكرّم، فلنندب ونؤبّن ونكسو الروح سواد الحزن لفقدك ولنشدو بتراتيل العزاء وبقصائد الشور والبندرية نلطم، ولنعزّي جدّك الأعلى المرسل الخاتم، وآله وصحبه الأطهار عليهم الصلاة منها الكثير؛ بل الأتمّ، والأمّة الإسلامية بأجمعها لاسيّما العلماء بالعمل والعلم، وفي مقدّمتهم سيد المحققين الصرخي الشهم. ونحن أمام سيرة هذا الإمام العظيم المشرقة بالعطاء، لا يسعنا الا أن نجعلها نصب أعيننا ونعتبر بمواطن العبرة فيها، ونستلهم دروس العظمة منها، ونتواصل مع دلالتها على كافة مستويات الفكر والمنهج والسلوك.